1- انتصرت المؤامرة الأميركية مرحليا من ضاحية بيروت الجنوبية إلى ميدان رابعة العدوية... ولا اقصد أن انفجارا محدود الخسائر والدمار هو انتصار للمؤامرة الأميركية، بل اعني أن الفكر الذي يحتضنه هذا الانفجار هو الانتصار الأميركي المرحلي، عندما يوجد هنالك فريق ولو كان عدده لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، يزعم الانتساب إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، يقتل الأبرياء دون أي وازع من دين أو ضمير، هنا المأساة، خاصة أذا ما اعتبرنا ان مثل هذا الانفجار الآثم هو جزء من الانفجارات اليومية المجرمة التي تحصل في العراق على خلفية مذهبية بغيضة.
نحن على يقين أن هدف هذا الانفجار الآثم لن يتحقق، لقد خرج جمهور الضاحية الجنوبية بعد عدوان تموز 2006، وبعد الدمار الهائل وبعد سقوط العدد الكبير من الشهداء يقول بصوت واحد، فداء المقاومة أبناؤنا وبيوتنا وثرواتنا وكل ما عندنا، فداء للمقاومة ولقائدها وأبطالها وأهدافها... نحن على يقين أن جمهور المقاومة سيقول اليوم نفس الكلام وسيقف نفس الموقف، ولكن المؤلم هو هذه الخلفية المذهبية التي يفترض أنها خلف هذا الانفجار.
إننا نقول بالفم الملآن أن الذي وضع هذا الانفجار أو خطط له أو موله هو جزء من المؤامرة الإسرائيلية الأميركية كائنا ما كان الاسم الذي يحمله، وكائنا ما كانت الهوية التي يحملها، وان هؤلاء إن كانوا فعلا ينتمون إلى جهة مذهبية تزعم الدفاع عن أهل السنة والجماعة، نقول لهم انتم خوارج، كلاب أهل النار كما ورد في الحديث الشريف ولستم من أهل السنة والجماعة وليس انتماؤكم إلى أبي بكر وعمر وعثمان، ولا إلى الشافعي وأبي حنيفة ومالك وابن حنبل، ولا إلى ابن تيمية الذي حارب التتار بنفسه وحاور المخالفين بالعلم والحجج والبراهين وليس بالقتل العشوائي المجاني...
راجعوا ما انتم عليه، سترون بالتأكيد أن فقه وتراث وتاريخ أهل السنة والجماعة يستحيل أن يعطيكم الدليل المزعوم على أفعالكم الفاجرة هذه...
2- ينبغي أن نعترف دون تردد بأن المؤامرة الأميركية انتصرت مرحليا في مصر، لقد انتصرت سابقا في العراق ودمرته ونهبته وبعثرت جيشه وكامل قدراته، وهي الآن في طور تدمير سوريا ومحاولة تقسيمها وتفتيتها، حيث فشلت في إسقاط النظام ولكنها نجحت في تدمير سوريا وتأسيس مرحلة التقسيم فيها، وهي الآن تنتصر في مصر حيث يقتل أبناء مصر على يد أبنائها وتحول القوى الرئيسية فيها، كحركة الإخوان المسلمين الأكثر تنظيما والأوسع انتشارا إلى عدو للشعب، تحارب كما لو أنها وباء منتشر، وليس الآن وقت تحميل المسؤوليات، هل أخطاء الإخوان الفادحة هي التي أوصلتنا إلى هنا أم أن هنالك ما هو اكبر؟ تماما كما تساءلنا في سوريا سابقا، هل فعلا أن أخطاء النظام والظلم الذي يمارسه هو الذي اوجد المعارضة السياسية ثم المسلحة ثم التدمير، أم أن سوريا تعاقب على موقفها الداعم للمقاومة في لبنان وفلسطين وموقفها الرافض للحلول الاستسلامية الأميركية – الإسرائيلية...؟ لقد كنا نجيب بأن أخطاء النظام وجرائمه كانت ذريعة أما السبب الرئيسي فهو معاقبة النظام.
اليوم نقول، بغض النظر، عن أخطاء الإخوان الفادحة، وعلى رأسها تلك الرسالة الفاجرة التي أرسلها (محمد مرسي) إلى شمعون بيريز ، ثم الحزبية البالغة واختزال الإسلام في هذا التنظيم حيث أصبحت معارضة الإخوان المسلمين وكأنها حرب على الإسلام ذاته، كما يقولون... الخ، بغض النظر عن كل ذلك فالأمر كذلك.
نحن برأينا أن الأميركي قد يستفيد من الإخوان مرحليا، وقد يسهل وصولهم إلى الحكم لأهداف محددة، ولكن على المدى البعيد فان أميركا تعلم تماما أنها لا تستطيع الاستفادة من حركة الإخوان، باعتبار ثقافتهم الإسلامية المميزة التي لا يمكن أن تقبل بوجود الاحتلال الصهيوني وتؤمن بحتمية زوال الكيان الإسرائيلي، بمعنى آخر أن الأميركي يعلم تماما أن الإخوان المسلمين عدو استراتيجي لأميركا وأهدافها في المنطقة، ولكنهم نفذوا خطتهم في تسهيل وصول الإخوان إلى الحكم ودفعوهم إلى المزيد من الأخطاء ليجري حرقهم...
إلا أننا الآن نرى عكس ذلك، فان أكثر المواقف والتعليقات والتحليلات تعتمد على المشهد المباشر ولا تغوص في الحقائق التي تقف خلف مسرح الأحداث، وتحرك الممثلين الذين يظنون أنهم يؤدون أدوارا فعلية، وفي واقع الأمر أنهم ليسوا أكثر من أدوات في يد المؤامرة تحركها حيث تشاء وفي أي اتجاه كان... ولا حول ولا قوة إلا بالله.
بشكل أو بآخر استطاعت أميركا أن تنفذ هذا الجزء من خطتها فأحرقت الإخوان في الشارع المصري وخسر الشارع المصري والسياسة المصرية قوة تنظيمية كبيرة وخزانا بشريا واعدا، وأرسلت من خلال ذلك إلى رسالة الإسلاميين في كل مكان أن مشروعكم ليس قابلا للنجاح أو انه خاضع للسقف الأميركي الذي يعمل تحته الجميع يسهل وصوله عندما يرغب ويسقطه عندما يرغب.
كائنا ما كان، فان مجزرة يوم 14 آب ستبقى عارا في تاريخ مصر المعاصر، وواضح أن جهات شعبية واسعة تقبلت سقوط هذا العدد الهائل من الضحايا بحجة أنها الطريقة الوحيدة لإنهاء الاعتصام، مما يدل على حجم المؤامرة أو حجم الحقد والكراهية الذي تم زرعه في أوساط الشعب المصري وبعض الشعوب العربية تجاه حركة الإخوان المسلمين وما تمثله من تطلعات إسلامية واسعة، حتى لو كانت موضع اجتهادات متباينة.
لقد ضربنا مثلا فيما مضى وقلنا أن مثل حركة الإخوان كمثل كنز مخبوء في الأرض كمثل بئر بترول مثلا، فيه الكثير من الخير الواعد، ولكن الأمر يتعلق بكيفية استخراجه من باطن الأرض وخضوعه إلى عملية التكرير لتصنيف درجاته واستعماله حيث ينبغي...
كما بترولنا يستخرجه الأجنبي وقد يستعمله ضدنا، وإذا أسيء استعماله فقد يتحول إلى ضرر فادح مثل الدواء الذي يحمل الشفاء الناجح إذا استعمل وفق وصفة الطبيب ووفق الجرعة المناسبة والأوقات المناسبة وإلا فقد يأتي بنتائج عكسية.
بعض ثروتنا المخبوءة خطط لها ودفعت لان تصبح في نظر الكثيرين ضررا ووباء ينبغي الاستبراء منه ... ولا حول ولا قوة إلا بالله.
كائنا ما كان، إنها مأساة حقيقية نعيشها وفصل جديد من فصول المؤامرة الأميركية المحبوكة بشكل متقن بحيث ننفذها بأيدينا وسلاحنا ونحن نحسب أننا نحسن صنعا ... نحتاج إلى التقاط أنفاس والى الابتعاد عن التفاصيل حتى نستطيع أن نصل إلى ما وصلنا إليه من استنتاجات.
نقول بالفم الملآن للمتعصبين والمتخلفين من أي مكان.. اليوم السنة ليسوا سنة والشيعة ليسوا شيعة: ليس هنالك في التاريخ الإسلامي كله تجربة شيعية سياسية تحمل هموم الأمة وشعارات الإسلام: فلسطين، وحدة الأمة، مواجهة الاستكبار ... الخ، كان هم التجارب الشيعية السياسية فقط أن يحافظوا على كيانهم المميز وشعاراتهم الخاصة ضمن البحر الإسلامي الواسع.
كما لم توجد في تاريخ الإسلام فئة تدعي تمثيل المسلمين تستعين بالعدو الخارجي الرئيسي كأميركا لإقامة حكم إسلامي مزعوم أو تصالح أميركا وتعادي المسلمين الآخرين لتحقيق أهداف إسلامية مزعومة، هؤلاء ليسوا سنة بالمعنى الفقهي التاريخي وأولئك ليسوا شيعة بالمعنى التاريخي التقليدي، في يوم ما قريب إن شاء الله ينبغي أن يتم دغم السياسة والمقاومة التي عليها "الشيعة" اليوم (نقصد المقاومة ومحورها) مع الفقه والتاريخ السني ليشكل هذا الدمج شرطا ضروريا ومقدمة لا بد منها لزوال إسرائيل. والله على ذلك قدير...