قد يكون الخبر بسيطا وصغيرا: رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ، يؤكد أن ليس هنالك نص شرعي يمنع المرأة من قيادة السيارة (...)، هذا الخبر الجانبي يعبر حقيقة عن مأساة نعيشها، حيث أن بديهيات الشرع تحتاج إلى سنوات لاكتشافها ثم لإعلانها وتحتاج بعد ذلك لسنوات لتطبيقها...
إذا كان هذا الأمر البديهي احتاج كل هذه السنوات لانتقاده، فكم سنحتاج إلى أن يكتشف الذين أفتوا "بالجهاد" في سوريا أنهم مخطئون، وكم نحتاج من الوقت حتى يكتشف كثيرون ممن ساهموا بالأزمة المصرية الحالية من خلال فتاوى ما انزل الله بها من سلطان من وقت ليتراجعوا، ثم إذا تراجع هؤلاء وهؤلاء في وقت سيأتي، كم سيكون قد خسرنا من الشباب المغرر بهم، وكم سيكون حجم التدمير والتخلف الذي سنحصده، وكما يقولون سيكون ذلك كما يبدو وبعد خراب البصرة...
أليس الذي يحصل في إعزاز اليوم شيء من كل هذا؟ كلٌ يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك... كلٌ يدعي انه الإسلام وانه الوطن وانه الباحث عن الحرية والكرامة للشعب السوري إلى آخر هذه المقولات، وها هم يدمرون ويتقاتلون ولعل "المنتصر" سيجد خصما آخر يقاتله ليثبت سلطته ... الخ.
واللافت أن الذي يتقدم في "ساحات الوغى" في سوريا هو دولة العراق الإسلامية التي أصبح اسمها الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، والتي لا تخجل أن تعلن مسؤوليتها عن التفجيرات اليومية التي تحصل في العراق والتي تحصد المئات بل الآلاف من الضحايا وأكثرهم بل كلهم من المدنيين العاملين الذين يرتادون الأسواق أو المتاجر أو المساجد والحسينيات وما إلى ذلك، قتل عشوائي يومي مضى عليه سنوات، هذا هو سلاحهم الرئيسي، وهل هنالك من احتمال واحد بالألف أن يكون هنالك دليل شرعي بجواز هذه المجازر اليومية...؟ كم سيحتاج هؤلاء من الموقف ليراجعوا أنفسهم، ويخرج واحد منهم ليقول: مثلا: اكتشفنا أن ما كنا نفعله لا يقره الشرع بأي شكل من الأشكال ولا تجوز ممارسته تحت أي ظرف من الظروف؟ كم سنحتاج من الوقت وبعد أي حجم من الخسائر...
أين المشكلة؟
من الناحية الدينية التربوية: الذي يحصل هو عذاب ينزله الله بالمسلمين لأنهم عرفوا الحق وانحرفوا عنه، لأنهم يحملون أعظم شريعة وأوضحها ثم يطبقون أجزاء ويتركون الأجزاء الأهم التي تتطلب ترفعا عن الصغائر وعن العصبية والتحيز... الخ، وفي هذا من الأدلة القرآنية والنبوية ما لا حصر له، ويكفي قوله تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} الأنعام65، والحديث النبوي: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليخالفن الله بين قلوبكم... يعني الخلاف بين المسلمين -حملة الشريعة الغراء- عندما يصبح شديدا فهو عقوبة ربانية لا ترفع حتى يعودوا إلى دينهم بالمعنى الكامل والتطبيق الكامل بعيدا عن الاجتزاء والانتقاد.
من الناحية السياسية: هذه نتيجة ثقتنا واتكالنا على الأجنبي، نأخذ منه السلاح والمال وكل أنواع الدعم، ونصدق انه يريد لشعوبنا العربية الازدهار والخير والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.
من الناحية العملية: لا يمكن الخروج من حالة الفوضى هذه إلا بإيجاد مرجعية فاعلة تكون فتواها ملزمة للجميع، تبين الحلال والحرام دون تردد أو محاباة لأحد، وهل هذا ممكن في الظروف الراهنة؟ طبعا لا، ولكن لا بد من تحديد طريق النجاة، أما البقاء على هذه الحالة، فمعنى ذلك أننا مصرون على تدمير أنفسنا وبلادنا تماما، كما وصف تعالى: {... كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} المؤمنون53، كل جهة تدعي أنها الفئة الناجية وتكاد تقول أنها تملك مفاتيح الجنة والنار وان الخير كله عندها، وان الشر في خصومها...الخ.
إذا وصفنا هذه المأساة التي ترتكب باسم الدين، ليس معنى ذلك أننا لا نرى في مجتمعنا خيرا كثيرا موجودا، ولكنه الآن وكأنه مخبوء والظاهر على السطح هو هذا الفساد والإفساد والضلال باسم الدين والشريعة. ولا حول ولا قوة إلا بالله...
فالمؤمن ممتحن أو مبتلى أو مفتن، يعني يمتحن الله صدق الإنسان بأن يمن عليهم الخير حتى يشكر أو أن يبتليه بالشر حتى يصبر {... وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} الأنبياء35، ونحن اليوم نبتلى بديننا بهذه الفتاوى الضالة، بهذا الجهل الذي يقدم إلينا كعلم، بهذا الشر الذي يقدم إلينا كخير... والمؤمن الثابت على دينه يعلم أن هذا ابتلاء وامتحان.