×

«حمام الشيخ» يستقبل أبناء صيدا والزوار خلال الشتاء

التصنيف: سياسة

2014-01-15  04:00 ص  1568

 

بقلم سامر زعيتر

تعود الذاكرة الصيداوية إلى 4 قرون من الزمن، لتتلاقى داخل الأزقة والطرقات الضيقة حضارات تعاقبت على المكان، الذي كان يُشكل المدينة بكل أركانها، لتتسع منازلها باستقبال الوافدين وإن ضاق المكان...
 سنوات مضت، طوت معها تاريخاً حفر في الذاكرة، يوم كانت حمامات صيدا العريقة وعلى رأسها «الشيخ»، «والورد» و»المير»، المكان الذي يجمع أبناء المدينة للاستحمام، لأن البيوت الصغيرة لم تكن مجهزة لذلك، أما اليوم وبعد زوال «حمام المير» بفعل الاحتلال، وتحول «حمام الورد» إلى روح بلا جسد، بقي «حمام الشيخ» يقوم بهذه المهمة خلال فصل الشتاء...
مهمة توارثها الأبناء بعد رحيل الأجداد والآباء، فيما القبقاب لا يزال على حاله، تتكامل وقعاته مع روحية ذلك المكان، ولهيب بيت النار المشتعل تحت البلاط، لينزع من الجسد بعض الآلام، يليها أخذ قسط من الراحة وتناول الأكلات الشعبية...
«لـواء صيدا والجنوب» زار «حمام الشيخ» في صيدا البلد وعاد بهذه الانطباعات...

تراث متجدد
تسير الأقدام انطلاقاً من ساحة ظهر المير جنوباً أو من قلب البلد أو الدخول من أحد أبواب صيدا القديمة المشرعة إلى الحمام، الذي يستدل عليه بلوحة تعود إلى القرن السادس عشر ويافطة تحمل أسم «حمام الشيخ».
من هناك يدخل المرء إلى باب صغير يليه آخر، حيث بهو الحمام والنافورة في الوسط التي توقفت عن العمل، ومنها تصعد درجات إلى مكان الجلوس والاسترخاء قبل الحمام وبعده. ومن ثم العودة إلى البهو مجدداً بعد انتعال القبقاب والدخول عبر باب خشبي إلى غرفة تغيير الملابس ومنها إلى بقية غرف الحمام المؤلف من 7 غرف، حيث الاستلقاء على الرخام بما يعرف ببيت النار تحت القبة التي يعلوها ويتداخل فيها الزجاج الملون لدخول الضوء، ثم ينتقل إلى مرحلتي «التكييس» والمساج، ويتخللهما استخدام كاسات الألمنيوم للاستحمام بالمياه الساخنة، ومن ثم العودة إلى البهو الرئيسي بعد لبس المناشف المزركشة، لقضاء سهرات مع الأصدقاء يتخللها تناول الطعام التراثي من الفول والحمص والمناقيش واللبنة والجبنة والمشروبات الساخنة والباردة والتقاط نفس من «النرجيلة».
توريث المهمة
{ ولكن كيف يبدو واقع ذلك المكان بعد كل هذه الأعوام، وما هي المتغيّرات التي أثرت على العمل، يشير المسؤول عن الحمام نادر الحلبي إلى «أنه بعد وفاة والده عبد القادر في 9 أيلول 2012 تولى مع شقيقه خليل ادارة «حمام الشيخ» الذي قدم والده الخدمات فيه إلى الزبائن على مر سنوات عديدة، حفظ فيه تراث هذا المكان العريق».
ويقول: «في السابق كان الحمام هو المكان الوحيد الذي يستطيع من خلاله أبناء صيدا القديمة الاغتسال بسبب ضيق مساحة البيوت، لكن هذا الواقع تغير، وأصبح الحمام مكاناً للاستجمام على غرار ما يقوم به الناس من قضاء وقت ممتع على شاطئ البحر خلال فصل الصيف، فالعمل في الحمام هو موسمي خلال فصل الشتاء فقط. وهو عبارة عن سهرة سمر بين الأصدقاء الذين يأتون من مختلف المناطق خصوصاً العاصمة بيروت، فضلاً عن بعض أهالي صيدا، لكن بالطبع فإن الأوضاع الأمنية تؤثر على عملنا وخصوصاً الاهتزازات الكبرى مثل التفجيرات التي تحدث بين وقت وأخر، فبعد التفجير الأخير شهدنا قلة في عدد الزبائن ويومها لم يدخل أحد إلى الحمام».
وعن نوعية الزبائن يضيف: «البعض يرغب بحجز كامل الحمام، لأنه يفضل أخذ راحته مع الأصدقاء وذلك يكلف أكثر من العادة، ونحن لا نستطيع حجز كامل الحمام لأقل من 15 شخصاً، والحمام يمكنه استقبال ما يقرب 40 شخصاً في الليلة الواحدة، والحمام يفتح أبوابه يومياً خلال فصل الشتاء من الساعة 5 مساءً حتى ما بعد منتصف الصيف، وذلك ابتداءً من منتصف شهر أيلول وحتى نهاية شهر شباط، وبالتأكيد فإن هذا العمل لا يكفي للعيش، لذلك نحن نعمل في أشغال أخرى خلال النهار».
ويختم الحلبي: «هناك العديد من الأمور التي تشكل كلفة اضافية علينا ومنها ارتفاع أسعار المازوت، فنحن نضطر يومياً لتسخين المياه، وربما لا يأتي الزبائن في بعض الأيام، والحمام يقدم خدمات «التكيس» والمساج، إضافة إلى الاستفادة من بلاط النار الساخن على غرار ما كان في زمن الأتراك، فضلاً عن الجلسة العربية وتقديم وجبات الطعام وخصوصاً الفول والحمص ومشتقاته والمناقيش على أنواعها، فضلاً عن «النرجيلة» والمشروبات الساخنة والباردة. أما الوضع الأمني فقد تأقلم عليه الناس ولا يجب أن يشكل هاجساً لدينا، لأنه لا يعقل أن يجلس الناس في منازلهم طوال الوقت».
{ أما الزبائن الذين اعتادوا على زيارة المكان واستعادة ذكريات سنوات خلت، فيشير رامي قبلاوي، الذي جاء مع أصدقائه إلى «أن المكان لا يزال على حاله وربما كان في السابق يوجد من يملك الخبرة في مجال المساج بشكل أكبر، لكن الاستحمام ليس هو الهدف الرئيسي لنا، بل قضاء وقت ممتع مع الأصدقاء لأن الترفيه عن النفس هو الهدف الذي ننشده، من أجل ذلك ومع دخول فصل الشتاء فإننا لا بد أن نقوم بزيارة هذا المكان».
{ بدوره رواد دعيبس يقول: «أهمية الحمام هو التجمع بين الشباب اضافة إلى أن أسلوب «التكيس» يُساهم في ازالة طبقة من الجلد الميت والتي لا يستطيع الحمام العادي إزالتها، والأسعار في متناول الجميع، على اعتبار أن دفع مبلغ 20 ألف ليرة لبنانية مقارنة بما يقدم من خدمات لا يشكل مبلغاً كبيراً».
استعادة عادات مضت
{ أما عمر ماضي فيقول: «بالدرجة الأولى فإن زيارة الحمام في صيدا هي لإحياء هذا التراث العريق الذي كانت تتمتع به مدينة صيدا القديمة «البلد»، وهي مناسبة لاسترجاع عادات الأجداد التي تتسم بالأخلاق والفضيلة بعيداً عن الجلسات التي لا تناسب قيمنا وأخلاقنا، فهي فرصة لاستعادة التراث وزيارة الأماكن القديمة المحببة لدى الآباء والأجداد، والتي استعدناها من خلال بعض المسلسلات مثل باب الحارة، فهذه الأماكن نجد فيها اللمسات القديمة، ونحن نحب أحياء هذا التراث، كما أن زيارة هذه الأماكن يحقق لنا الالتقاء والاجتماع مع الأصدقاء بعيداَ عن الضوضاء».
وعن المخاوف الأمنية يشير ماضي «إذا ربطنا كل شيء بالوضع الأمني فإنه يستحيل علينا العيش في وطننا، فسيبقى كل شخص في منزله وهذا أمر غير معقول، وما كتبه الله علينا سوف يحدث، وفي النهاية نحن بحاجة إلى الترفيه عن النفس، فنتمنى على الجميع العودة إلى هذا التراث وأن تنتعش مدينة صيدا من خلال احياء مثل هذه الأمور، كي لا تكون منطقة مغلقة، ونحن رغم أننا نعيش في منطقة عبرا، لكن لدينا رغبة بزيارة صيدا «البلد» لأن شوارعها الضيقة والقناطر أمر يدخل السرور إلى كل من يراها».
الالتقاء بزوار المدينة
{ بدوره زياد الإبريق يقول: «جئت مع صديقي اللذين قدما لزيارة مدينة صيدا من بيروت، وهي المرة الأولى التي أتي بها إلى «حمام الشيخ»، رغم أنني من أبناء صيدا البلد، ورغبنا بالترفيه عن أنفسنا من خلال زيارة هذا المكان، وهذا هو الهدف أكثر من الرغبة في الاستحمام، إضافة إلى التعرف على الأماكن الأثرية، وقضاء وقت ممتع لأن هذه الجلسة ليست متوافرة في أماكن عديدة، فهذا المكان التراثي قلما نجد له مثيلاً في المناطق اللبنانية، ففي المقاهي العادية لا نستمتع بنفس الجو، الذي يبدأ من خلال الحمام بطرق لا يمكن تطبيقها في المنزل، ومن ثم الجلوس وتناول الطعام التراثي».
ويختم الإبريق: «بتنا لا نكترث كثيراً للأمور الأمنية، لأن هذه المخاوف قد تسيطر على الناس مدى الحياة، فهناك مخاوف خلال التنقل على الطرقات أو حتى عند التواجد في المنزل من حدوث أي انفجار أو ما شابه، فإذا كانت هذه النقطة تشكل عائقاً للإنسان فسوف تسيطر عليه مدى الحياة، ولكن في حالة حدوث انفجار في منطقة معينة لن يتم زيارة هذه المنطقة بالتأكيد».
عودة إلى صيدا القديمة، من أبنائها والزوار، تشكل بارقة أمل في زمن كثرت فيه المخاوف الأمنية بفعل الأحداث المتعاقبة.

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا