×

أين اختفى فِناس ودراجته الهوائية الموسيقية في صيدا؟

التصنيف: سياسة

2014-03-12  08:06 ص  545

 

سامر زعيتر


 

منذ ما يزيد عن 24 عاماً، كان يجوب طرقات المدينة بدراجته الهوائية الموسيقية، التي تطوّرت معداتها مع مرور الزمن. مشهد كان يسرّ البعض، فيما البعض الآخر أصرّ على ازعاجه وصولاً لحرمانه من هوايته المحببة...
ما أن يطل فِناس بدراجته الهوائية حتى يلحظه المارة قبل رؤيته، كيف لا والموسيقى التي تعلو من دراجته كانت تسبقه بمسافات، ولكن هل تغيّر العشق للموسيقى وإسماع الآخرين لها، أم أن في الأمر أسرار أخرى؟!
عام ونصف العام، لم يعد يُرى حسين مصطفى فِناس على الكورنيش البحري بدراجته الهوائية الموسيقية، فما الذي تغيّر في هذا العام والنصف، وأين ذهب فِناس خلال هذه الفترة؟ أسئلة كثيرة طرحها أبناء المدينة، فهل غاب فِناس عن الكورنيش البحري، أم كان يرتاده وكيف السبيل لاكتشاف ذلك...؟
كل ذلك، استوجب زيارة خاصة من «لـواء صيدا والجنوب» إلى منزل فِناس لمعرفة مزيد من التطوّرات التي طرأت على حياته...
حلم آخر!
لا يزال المنزل على حاله منذ الزيارة الأولى، 4 سنوات مضت على لقائنا الأول في منزل حسين فِناس، وكأن لا شيء قد تغيّر، سوى تلك الدراجة الهوائية التي اشتهر بها حسين، ولكنها اليوم لم تعد تحمل صخب الموسيقى، فيما زيد على المكان «آلة» آخرى تشكّل جلّ ما كان يعكف عليه فِناس خلال الأيام الماضية، بالتحوّل من حلم إلى آخر، رغم أن تكلفة هذا «الجهاز الجديد» ارتفعت عما أنفقه في السابق، لكن الحلم الجديد قد لا يحقق طموحاته الحالية ولا حتى المستقبلية!
حسين الذي اعتاد على العيش في عالمه الخاص، اشتهر بدراجته الهوائية التي كانت تحمل أحدث المعدات الموسيقية، على غرار ما يفعله الشباب الصاعد، لكن فِناس بما يملك من امكانيات صغيرة لا تكفيه شراء سيارة، أصرّ على العيش بالأسلوب الشبابي ذاته، رغم تقدّم سنوات العمر.
ولأن فِناس الذي لم يكمل سوى الصف الخامس الابتدائي، يعيش مع شقيقه داخل بيت مستأجر بإيجار قديم، فيما سائر أخوته قد أكملوا مشوار حياتهم، بقيت البساطة في العيش والإمكانيات هي الميزة لساكني ذلك المكان داخل مدينة صيدا القديمة «البلد».
ولكن ما الذي تبدّل في حياة ذلك الشاب ابن الـ 39 عاماً، وهو الذي اعتاد العمل كمساعد لمعلم بلاط، غير أن ضيق الحال وقلّة العمل جعلته يفكر اليوم في العمل كمساعد لناطور بناية، الأمر الذي قد يؤمّن له مسكناً لائقاً وربما اكمال نصف دينه وفق تعبيره.
أما الدراجة الهوائية فبقيت على حالها، فيما تجهيزاتها الموسيقية فقد انتقلت إلى مكان مجاور، وأصبحت اليوم مرتبطة بجهاز تلفاز وأجهزة عرض موسيقية، تمكن من عرض الصورة إضافة للصوت، فضلاً عن الإضاءة التي لا تنطلق إلا بعد وصول مستوى الصوت إلى منتصفه، وهو الأمر الذي لا يقبله الجيران حتماً، فلماذا هذه المعدات إذاً، إن لم تكن مجهّزة للمنزل، فيما يخبر عن ذلك فِناس بأن «الاختراع الجديد» يحقق جزءا من حلمه، الذي كان المنطلق لصنع دراجته الهوائية الموسيقية بالقول: أريد شراء سيارة، لتركيب هذه المعدات ولكن ذلك يأتي بعد الزواج.
الأهل و«الزعران»
ما الذي جعل حسين يتخذ مثل هذه الخطوة وهل جاءت اختيارية، أم أنه دخل في مرحلة النضج وإن متأخّراً؟ فيجيب فِناس عن ذلك بالقول: لقد قال لي أخوتي لقد كبرت على قيادة دراجة هوائية موسيقية، وبات عليك نزع هذه المعدات لتحقيق بقية مشوار حياتك والزواج.
سبب وجيه يخفي حقيقة أخرى ما يلبث حسين أن يخبر بها وهي السبب الأول لقيامه بنزع المعدات الموسيقية بالقول: «رغم أن الناس استفقدوا ما كنت أقوم به ويطالبونني بإعادة الموسيقى إلى الدراجة، لكنني قمت بفكها لأن هناك العديد من «الزعران» الذي يغارون مني ويتعمدون ملاحقتي خلال قيادتي الدراجة على الكورنيش وإيذائي، إما بإطفاء السجائر في وجهي أو صدمي بالدراجات رباعية الدفع، وهؤلاء الشباب هم الذين يتعاطون المخدرات، وسبب ذلك هو الغيرة مني، كون العديد من الفتيات يستوقفونني ويطلبون اسماعهم الموسيقى والأغاني بصوت مرتفع».
انزعاج من إيذاء الآخرين، ليس غريباً على تصرفات البعض، الأمر الذي دفع فِناس إلى التخلي عن هوايته وإن كان يشتاق إليها، فيما الضغوط من الأهل وخصوصاً شقيقاته، جعلته يتخلى عن هذه الهواية، أما قيادته للدراجة الهوائية فأصبح لممارسة الرياضة فقط، لكن الناس الذين اعتادوا رؤية دراجة فِناس الموسيقية، لم يعرفوه بعد نزع المعدات عنها، فيما البعض الآخر لا يزال يعرفه بالشكل.
أما «الاختراع الجديد»، فيضم نفس المعدات، ولكن زيد عليها ما يتناسب مع سيارة المستقبل التي يحلم بها حسين، وهذه المعدات تعمل على الكهرباء وبطارية السيارة معاً، تحسّباً لانقطاع التيار الكهربائي ولنقلها مستقبلاً إلى السيارة، وهي التي تم إيصالها إلى شاشة التلفاز أيضاً، فضلاً عن الأضواء التي تتلألأ مع ارتفاع الصوت، كما تضم التجهيزات حقائب لاسطوانات الموسيقى.
تطوّر وبساطة
وعن واقعه المادي، يشير حسين إلى «أنني أنفق حالياً من المال الذي أدخره، خصوصاً في ظل عدم وجود فرص عمل، فيما اختراعي الجديد كلفته 1500$، فإن الموسيقى التي كانت على الدراجة كانت تكلفتها 1200$، بعدما زدت عليها تجهيزات جديدة، وخصوصاً «البازوكات» لزيادة ضخامة الصوت على غرار ما يقوم به الشباب في سياراتهم».
وأبدى فِناس عدم ارتياحه من تركه هوايته التي كانت تجلب له السعادة وخصوصاً عند توقيف الناس له، خصوصاً أنه لا يملك أصدقاءً، فكانت هذه الهواية تعرّفه على الناس، لكنه حالياً يسلّي نفسه بزيارة أولاد اخوته.
ويشير إلى «أن هذه الهواية كانت لديّ منذ الصغر، وشجعني عليها والدي ووالدتي منذ كان عمري 15 عاماً، وبعد وفاة والديّ طوّرت التجهيزات الموسيقية في دراجتي، لأن الموسيقى والأغاني فضلاً عن سماع القرآن، تعطي لي السرور».
وعن الأمور التي بقيت على الدراجة يقول: «لا يزال «الزمور» على حاله، فضلاً عن المسابح التي تزيّنها وتجعلها تتلألأ ليلاً، وبعد نزع الموسيقى توقف الشباب «الزعران» عن ازعاجي، فيما المحبين يطالبونني بإعادة الموسيقى، ولكني آمل شراء دراجة نارية»، غير أن منعها في صيدا (منذ اغتيال القضاة الأربعة في المدينة). كل ذلك يجعله يعدّل عن الفكرة إلى حلم شراء سيارة، أو ربما شراء دراجة نارية إن انتقل إلى منطقة أخرى للعيش فيها.
ويشير إلى أنه «إن توقف الإزعاج، فإن الدراجة الهوائية بدورها باتت اليوم عاجزة عن القيام بالاستعراضات البهلوانية التي كنت أقوم بها، كون دواليبها أصبحت قديمة، لكن أمل بالعودة إلى هذه الهواية، وأن أؤمّن عمل كمساعد ناطور، فالحياة التي أريدها هي إكمال نصف ديني»، على غرار ما قام به أشقائه وشقيقاته الـ 9، «فيما بقي شقيقي علي وأنا في المنزل ونأمل بتحقيق حلمينا البسيطين»...
... ولكن ذلك يبدو صعباً على من اتسمت حياته بالبساطة في كل جوانبها، فهل سيحقق حسين هذه الطموحات يوماً ما؟
سؤال ربما تجيب عنه السنوات أو الأيام المقبلة، وتبقى هذه السطور تخفي في طياتها صورة واقعية لأحلام بسيطة، تلامس بساطة المدينة القديمة رغم تبدّل الأيام والسنوات.

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا