لحمد لله الكريم المنان، مجزل العطايا قديم الاحسان شرف هذه الأمة وخصها بصيام شهر رمضان ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد خير من صلى وصام وقام لعبادة ربه الرحيم الرحمن صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين.
وبعد:
أظلنا شهر رمضان المبارك، شهر التوبة و البركات والرحمات، شهر الطاعة والقُرْبَى والبر والإحسان ، شهر المغفرة والرحمة والرضوان، والعتق من النيران، شهر تفتح فيه ابواب الجنان، وتغلق فيه ابواب النيران، وتسلسل فيه مردة الشياطين، وتضاعف الحسنات، وتغفر السيئات،
الصوم شرع لمعانٍ سامقة، وحكم برَّاقة، يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى (والمقصود:أنَّ مصالح الصوم لمَّا كانت مشهودة بالعقول السليمة ، والفطر المستقيمة ، شرعه الله لعباده رحمة بهم ، وإحساناً إليهم ، وحمية لهم وجُنَّة 000
فهو لجام المتَّقين، وجُنَّة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقرَّبين، وهو لربِّ العالمين من بين سائرالأعمال ، فإنَّ الصائم لا يفعل شيئاً ، وإنَّما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده ، فهو ترك محبوبات النفس وتلذّذاتها إيثاراً لمحبَّة الله ومرضاته ، وهو سرٌّ بين العبد وربه لا يطَّلع عليه سواه ، والعباد قد يطَّلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة ، وأمَّا كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده ، فهو أمر لا يطَّلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم)
واما كماله فاءنه لا يتحقق الا باجتناب المحظورات من الكذب والدس والافتراء والغيبة والنميمة والخوض في اعراض الناس، فذلك هو قضاء رسول الله ﷺ فيما يقرر اهل العلم (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) رواه البخاري.
وسلفنا الصالح قد حرص اشد الحرص على رعاية حرمة هذا الشهر الكريم من جهتيه جميعا، جهة اطراحهم الشهوات الجسدية ارادة تحصيل صحة الصوم، وجهة اجتناب الرذائل الخلقية ارادة تحصيل كمال الصوم.
وانما دعاهم الى هذا الحرص الشديد ما كانوا يعرفونه من فضل الصوم وجميل ثواب الله فيه، فعن رسول الله ﷺ انه قال فيما يرويه عن ربه (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي )رواه البخاري ومسلم
فقد اختص سبحانه الصوم، باضافته الى نفسه مع ان العبادات جميعا له وحده لا شريك له.
قال القرطبي : لما كانت الأعمال يدخلها الرياء ، والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله فأضافه الله إلى نفسه ولهذا قال في الحديث : (يدع شهوته من أجلي) . وقال ابن الجوزي : جميع العبادات تظهر بفعلها وقلّ أن يسلم ما يظهر من شوبٍ ( يعني قد يخالطه شيء من الرياء ) بخلاف الصوم . والمراد بقوله : ( وأنا أجزى به ) أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته . قال القرطبي : معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير .
ووجه هذا الاختصاص(إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي) كما قال العلماء يرجع الى سببين:
احدهما ان الصوم يمنع من الملاذ والشهوات، فليست فيه لذة يجدها الصائم بل فيه حرمان تام من كل شهوة ينشدها الانسان ويسعى اليها فهو جائع ظمآن مجهود ليس له من لذائذ الدنيا شيء يفرح به الا اذا اقبل الليل وادبر النهار فعندئذ يجد مسيسا من الفرحة التي يقول فيها النبي ﷺ (للصائم فرحتان : فرحة عند فطره وفرحة يوم لقاء ربه" رواه البخاري ومسلم - وهذا بخلاف سائر العبادات من الصلاة والزكاة والحج...
وثانيهما: ان العبادات كلها له وجزاؤها جميعا منه واليه، الا ان الصوم سر بين العبد وبين ربه فاءذا كانت العبادات ظاهرة مكشوفة يتمكن العبد من المراءات بها ، فان الصيام محجوب لا يطلع على نية العبادة به الا رب العالمين، وقد يطلع العباد من العبد الصائم على ترك المفطرات الظاهرة، واما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من اجل معبوده وحده فهو امر لا يطلع عليه بشر ولا يطمع في الاطلاع عليه انسان وتلك هي حقيقة الصوم.
هذه العبادة ثمرتها تحقيق التقوى بعبودية الله عز و جل لأنه بها يتقرب العبد لربِّه بترك محبوباته ، وقمع شهواته ، فيضبط نفسه بالتقوى ومراقبة الله ـ سبحانه وتعالى ـ في كل مكان وزمان ، ولهذا يقول المولى سبحانه:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)البقرة
إذن ليس هدف الصوم هو هذا الألـم البدني، و إن كان هذا الألـم قد يقع في طريقه ، إن الله تعالى لم يقل لعلكم تتألمون ، كما أنه لم يقل تقتصدون و إنما قال : (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) فجعل الصوم اختبارا روحيا ، و تجربة خُلُقية أراد منه أن يكون وسيلة المسلم إلى نيل صفة المتقين ، و أداته في اكتسـاب ملكة التقوى و هـذا هـو الهدف الحقيقي من تشريع الصوم:( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فإنَّه أعظم العبادات التي يتدرب بها العبد على ممارسة التقوى والتكيف معها هي عبادة الصيام، ولأجل هذا صار من أعظم الطاعات وأجل القربات ، ليكون الصائم مقبلاً على الله تعالى ، خاضعاً بين يديه ، ومجاهداً نفسه ومحاسباً لها في تقصيره، فتكون نتيجة من نتائج التقوى ، وطريقاً موصلاً بنا إلى الجنة إن شاء الله تعالى ،
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) أخرجه البخاري ومسلم ، ومعنى إيماناً: أي إيماناً بوجوبه ، ومعنى احتساباً: استشعاراً بالأجر عند ربِّه، قال الحافظ ابن بطال يعنى: مصدقًا بفرض صيامه، ومصدقًا بالثواب على قيامه وصيامه ومحتسبًا مريدًا بذلك وجه الله، بريئًا من الرياء والسمعة، راجيًا عليه ثوابه.
ويكفي أنَّ العبد المؤمن يشعر بصيامه أنَّه عبد لله حقَّاً، فإنَّ كمال الحرية في تمام العبودية لله ، فلا يأكل الإنسان إلا إذا ابتدأ الوقت الذي بيَّنه الله أنَّه وقت للإفطار ، ولا يصوم إلاَّ إذا ابتدأ وقت الصيام ، فهي عبودية كاملة لله ، وأمانة يؤدِّيها العبد لربِّه ،
وكما ان شهر رمضان هو شهر صيام وقيام فهو كذلك شهر القرآن والقرآن لا تنطفىء مصابيحه، وهو السراج الذي لا يخبو توقده والمنهاج الذي لا يضل ناهجه، والعز الذي لا يهزم انصاره.
فهو دستور الامة الذي جعله الله عز وجل ضياء لها يبدد لها كل الظلمات وجعله منهجا لها يعصمها عن الانحرافات وجعله حياة لقلوبها ونورا لعقولها، وتقويما لسلوكها وجعل فيه خير الدنيا ويكون به نعيم الاخرة يقول الحق تبارك وتعالى عن هذه النعمة العظيمة والمنة الكبيرة(إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) الإسراء) فهو يهدي للتي هي اقوم في شان الفرد وفي شأن المجتمع والأمة ، يهدي للتي هي اقوم في شأن الحكم وفي شأن الحياة الاقتصادية والاجتماعية، يهدي للتي هي اقوم فيما يتصل بالقلوب وفيما يتصل بالعقول وفي كل شيء يتصل بالانسان في هذه الحياة.
والمسلم بلا قرآن كالحياة بلا ماء ولا هواء.
ومن هنا كانت العلاقة وطيدة بين القرآن وشهر الصيام ، تلك العلاقة التي يشعر بها كل مسلم في قرارة نفسه مع اول يوم من ايام هذا الشهر الكريم، فيقبل على كتاب ربه يقرأه بشغف بالغ، فيتدبر آياته ويتأمل قصصه واخباره واحكامه.
هذا الشهر هو شهر القرآن، قال جل وعلا:" شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)) (البقرة 185) قال الحافظ ابن كثير :" وكان ذلك أي انزال القران في شهر رمضان في ليلة القدر منه كما قال تعالى: انا انزلناه في ليلة القدر وقال سبحانه :" إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (3)الدخان القرآن الكريم وسيلة عظيمة لشفاء القلوب وهدايتها وتنويرها، انزله الله سبحانه وتعالى لنتدبره قال جل وعلا : (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ29)ص قال سيدنا علي رضي الله عنه( لا خير في قراءة ليس فيها تدبر) فلا شيء انفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر قال :ﷺ (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ) رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) رواه البخاري.
واختم بقول النبي صلى الله عليه وسلم (الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ الصِّيَامُ أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ وَيَقُولُ الْقُرْآنُ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ قَالَ فَيُشَفَّعَانِ ) رواه احمد.
فلنشمر عن ساعد الجد والبذل والعطاء في شهر الخير والعطاء ولنجعل نصب أعيننا قول النبي صلى الله عليه وسلم (بُعدا ولمَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ ، فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ ))
اللهم اجعلنا ممن يصومون ويقومون رمضان ايمانا واحتسابا وينالون بالصيام التقوى.
اللهم سلمنا لرمضان، وسلم لنا رمضان، وتسلم منا رمضان متقبلا 0
والحمد لله رب العالمين.
كل عام وانتم بخير