في الوقت الذي كان فيه لبنان كله مستنفرا في استقبال عاصفة الطبيعة وأولى اختبارات شتاء هذا العام لإنسانه وطرقاته وبناه التحتية ومزروعاته ، كانت مدينة صيدا في قلب عاصفة أخرى تزامنت مع بدء العاصفة الطبيعية ، فاذا بالمدينة تواجه منخفضين جوي وأمني .. تقاطعا مجازا بالعديد من اوجه الشبه ، فاختلط صوت دوي انفجارات القذائف في اجواء المدينة وجوارها بصوت الرعد ، والتبس لمعان البرق في السماء بلمعان شراراتها ، وترافق انهمار المطر مع انهمار الرصاص الطائش على احياء في المدينة والجوار .

اما عاصفة الطبيعة التي كان المواطنون يترقبونها من نشرات الأرصاد الجوية ، فقد استعدوا لإستقبالها نفسيا ولوجستيا وضبطوا تنقلاتهم ومشاريعهم ومواعيدهم الهامة على توقيتها ، اشتدادها او انحسارها مستبشرين بها الخير وان حملت بعض الأضرار هنا او هناك

واما عاصفة مخيم المية ومية الأمنية فلم يكن أحد يترقب عودتها بعد الاشتباكات الأولى بين فتح وأنصار الله، والتي عصفت بالمخيم واوقعت قتيلين وعشرات الجرحى وبعد الخطوات الميدانية التي قام بها الجيش اللبناني حول المخيم وعلى مداخله وفي نقاط متقدمة ضمن حدوده .. ولم تكن المدينة كما جوارها مستعدين لإندلاع جولة جديدة وأعنف هذه المرة من الاشتباكات اوقعت حتى الآن اربعة جرحى بينهم جنديان للجيش ، ونافست عاصفة الطبيعة بل وتفوقت عليها في شل الحركة في شوارع وطرقات المدينة والجوار ومرافقهما الرئيسية، وحولتها مساء الخميس الى "مدينة اشباح" وعطلت قسرا الدراسة في مؤسساتها التعليمية كافة التي اعلنت تعليق الدروس الجمعة .

استنفرت المدينة فاعليات واحزابا ومسؤولين امنيين وقوى فلسطينية في مواجهة عاصفة الأمن من اجل فرض وقف لإطلاق النار واحداث فسحة هدوء وحوار وسط الجو المبلد بدخان القصف والحرائق الناجمة عنه ، واستمرت الجهود والمساعي طوال الليل في هذا الاتجاه دون ان تنجح في اسكات البنادق والمدافع والقاذفات ، كما لم تفلح عاصفة الطبيعة بذروة اشتدادها في لجمها .

لم يعد يهتم المواطنون بتداعيات العاصفة الطبيعية ، ورياحها وامطارها وبرقها ورعدها ، بل انصرفوا الى متابعة تداعيات العاصفة الأمنية ، خبرا خبر ، وقذيفة بعد قذيفة ورصاصة اثر رصاصة وجريحا تلو جريح ، ونزوح وراء نزوح، ومتابعة الأرصاد الإعلامية لإستشراف ما هو قادم على المخيم والمدينة من تطورات امنية متصلة بها.

هم لا يخافون من عاصفة الطبيعة وان استمرت لأيام لأن كل ما يأتي من السماء خير لأنه من صنع الخالق ، لكن من حقهم ان يخافوا من استمرار عاصفة الأمن التي هبت على مدينتهم وجوارها لأن كل ما تحمله اليهم بالتأكيد ليس خيرا لأنه من صنع بشر..

عاصفة الطبيعة ستمر مع انحسار المنخفض الجوي كما مثيلاتها في كل شتاء، اما عاصفة المخيم الأمنية فهي رهن بإنحسار منخفضات التوتر واسبابه لدى الفريقين المتقاتلين وبنجاح القوى المؤثرة عليهما في كبح جماح سلاحهما .. عندها تنحسر العاصفتان فتتنفس صيدا والطبيعة معاً الصعداء !.