مناضل الطبقات الفقيرة حتى الشهادة
التصنيف: سياسة
2011-02-21 09:31 ص 2388
جمال الغربي - البناء
ستة وثلاثون عاماً، وقنديل دمه لاينطفئ، وينبوع مقاومته لاينضب، وذكراه لاتشيخ، ومسيرة نضاله تتجدد جيلاً بعد جيل، ونهجه الذي عمّده بالدم الزكي، يترسخ أكثر فأكثر.
لا يمكن لهذه العبارات أن تختصر صفات معروف سعد، فهو مناضل الطبقات الفقيرة حتى الشهادة. هو الثائر على شتى صنوف القهر والاستغلال، والفدائي على أرضي فلسطين المحتلة، والمناضل في سورية، والمعتقل في سجون الاستعمار الفرنسي لسنوات عديدة، والأستاذ الذي سعت إليه كرسي النيابة ولم يسعَ إليها، هو رئيس البلدية الذي أوصلته معاناة الصيداويين إلى سدة رئاستها، في مواجهة تحالف السلطة والمال. والضابط المنحاز إلى مطالب المتظاهرين، والمنضم إليهم ضد السلطة الرجعية.
تخطّى الرجل الكاره لربطات العنق، والمتعلق بالبذة « الكاكية» في نضاله حدود لبنان وفلسطين وسائر الدول العربية إلى الميدان الدولي، منسجماً مع مبادئه، واقفاً إلى جانب انتفاضات الشعوب والثورة على الاستعمار والاضطهاد.
معروف سعد، صاحب مقولة «ما أروع الكفاح، حين يُرى ولا يُقَال، وما أسخف النضال حين يصبح حبراً على ورق»، معروف سعد «الهمشري» الذي تعرفه كل «البيوتات» الصيداوية، والضيف الدائم على موائدها بما وُضِع عليها من طعام، ومن دون إستئذان.
كان أسطورة، فما تزال سيرته وأعماله حاضرة في الأذهان، يروي الآباء لأبنائهم بطولاته في ساحات النضال، حتى آخر لحظات حياته، عندما سقط شهيداً برصاصة غادرة، مشبوهة الهدف، وهو يدافع عن حقوق الصيادين في وجه سلطان الإحتكار، الذي كانت تمثله في تلك الحادثة شركة «بروتيين» التي كانت تحاول سلب لقمة عيش الفقراء، وإبعادهم عنه، كان ذلك التاريخ يوم 26 شباط 1975.
الولادة والنشأة
ولد معروف سعد في مدينة صيدا عام 1910، من أب مزارع، أسرته شعبية متوسطة الدخل، تعمل في البساتين والزراعة، بدأ دراسته في مدرسة الفنون الإنجيلية في صيدا، ثم تابعها في مدرسة عاليه الوطنية، وتخرّج منها سنة 1929، ومن ثم عُيِّن ناظراً فيها.
مواجهة مخططات الاستعمار
بين عامي 1928- 1936، تنقل معروف سعد بين السعودية ودمشق وفلسطين ولبنان، عاملاً في حقل التدريس، ثم اشترك في أعمال المقاومة الفلسطينية، كما نظّم المقاومة الوطنية العملية من أرض صيدا، ضد قوافل التموين لليهود والبريطانيين المتجهة إلى فلسطين. عام 1935 قام الشيخ عز الدين القسام بثورة ضد البريطانيين، واستشهد على أثرها، ثم تبعه بعد فترة زميله الشيخ فرحان السعدي، فعمّت الثورة جبال فلسطين وتساقط الشهداء بالمئات، حيث كانت جميع الحركات والانتفاضات التي تقوم في فلسطين تتفاعل في صيدا، وخلال الإضراب الفلسطيني في 15 أيار 1936، الذي قدّمت فيه الحركة الوطنية الفلسطينية ما يزيد عن ألفي شهيد، اجتاحت صيدا موجة عارمة من الحقد على الصهاينة والبريطانيين، فتألفت لجنة لمساعدة المجاهدين، عمدت إلى تشكيل لجان فرعية لجمع التبرعات، ومراقبة الطرق لمنع تسرب المواد الغذائية إلى الصهاينة. كما تمكنت من إتلاف حمولة عشرات السيارات المرسلة إليهم، كما كانت أول مقاطعة للبضائع اليهودية، حيث كان معروف سعد على رأس مجموعة من المسلحين يقطعون الطرق على الشاحنات التي تخص اليهود.
هذا، وقاد معروف سعد التظاهرات الوطنية ضد سلطة الاستعمار الفرنسي وأعوانها في صيدا. كما اعتقل عدة مرات على أيدي السلطات الفرنسية، لا سيما بعد اقتحامه «قشلة» الدرك في صيدا عام 1936، على أثر سقوط عدد من أبناء صيدا برصاص الدرك.
عام 1937، التحق سعد بالثورة الفلسطينية في طولكرم في فلسطين، بقيادة المجاهد عبد الرحيم الحاج محمد، كما اشترك فعلياً في عدد كبير من العمليات الفدائية التي سجلت مواقف بطولاته، ومنحته لقب المجاهد الوطني.
لقد ساهم في تثبيت استقلال لبنان، فنظّم وقاد المقاومة الشعبية ضد سلطات الاستعمار الفرنسي في لبنان، كما عمل مع حسني الزعيم، الضابط الشامي الذي قاد في ما بعد انقلاباً عسكرياً في سورية أواخر أربعينيات القرن الماضي، وعمل على تنظيم حرب عصابات بإنشاء فرقة عسكرية من المتطوعين، كما ألَّف كتيبة من سوريين وفلسطينيين ولبنانيين، جرى تدريبها في الغوطة في ضواحي دمشق، ثم قادها في الكثير من العمليات العسكرية ضد الفرنسيين و الانكليز.
المعتقل
اعتقل معروف سعد في مقهى قصر البحر، غربي سراي صيدا، ثم نقل تحت حراسة مشددة إلى القلعة العسكرية في رأس بيروت، حيث سبقه إليها العقيد حسني الزعيم. كما نقل من قلعة رأس بيروت إلى قلعة راشيا (التي جعلها جيش فرنسا الحرة والجيش البريطاني عندما دخلا سورية ولبنان عام 1941 مقر حجز قاسٍ للمعتقلين السياسيين)، فسجن فيها لمدة سنة وبضعة أشهر، ومنها نقل إلى معتقل المية ومية شرقي صيدا، ولم يطلق سراحه إلا في شهر نيسان من عام 1945.
في تنقلاته المستمرة من معتقل إلى آخر، التقى معروف سعد في سجن الرمل أنطون سعاده، مؤسس الحزب السوري القومي الإجتماعي، كما التقى الكثيرين من المناضلين من كافة التوجهات، حيث كانت تشهد «قواويش» المعتقل نقاشات في القضايا القومية بين القوميين العرب، والسوريين القوميين الاجتماعيين، وآخرين من توجهات سياسية أخرى، بالإضافة إلى أشخاص محايدين، لاعلاقة لاعتقالهم بقضايا عامة. وكان الشعور السائد بين الفرقاء المتنافسين بضرورة مواصلة الكفاح من أجل إستقلال البلدان العربية، وفي طليعتها مسألة فلسطين.
وعندما أُفرج عن معروف سعد، لم يودعه أحد، لأنه كان آخر المعتقلين. فيما كانت الحرب العالمية الثانية قد وضعت أوزارها، وقد استقبلته صيدا وجبل عامل استقبالاً شعبياً رائعاً، هاتفة له وللاستقلال.
كما عمل سعد ناظراً داخلياً في كلية المقاصد الخيرية الإسلامية في صيدا بين عامي 1945 و1949. والفترة التي عاشها معروف سعد في مقاصد صيدا كانت فترة مجهولة للأكثرية، لكنها فترة هامة في حياته. وحدهم «المقاصديون» هم الذين يعرفون ماذا كانت تعني المقاصد لصيدا والجنوب، لم تكن مدرسة فحسب، بل كانت المصنع للحركات الوطنية والعربية. منها انطلقت في ما بعد أجيال العروبيين والتقدميين، كما كانت كل التظاهرات الوطنية والقومية تحضَّر فيها. وكل الحركات الوطنية كانت تعد بين جدرانِها ثم تنطلق منها. وقد لعب معروف سعد دوراً أساسياً في هذا التوجيه الثوري.
فدائي فلسطين
بين عامي 1946- 1948 بدأت قضية فلسطين تتأزم من جديد، حيث راح المجاهدون الفلسطينيون يستصرخون العرب في الأقطار المجاورة لنجدتِهم بالسلاح، فاتصل الحاج أمين الحسيني، مفتي فلسطين ورئيس الهيئة العربية العليا لفلسطين بمعروف سعد. وقد كان الحسيني يشتري السلاح من ليبيا بمساعدة التجار والمجاهدين هناك، حيث بقيت مخلفات من أسلحة البريطانيين والألمان، وقد واتفق الحسيني مع سعد على ترتيب عملية تأمين السلاح الى الثوار في فلسطين، فقام الحاج أمين بارسال الأسلحة في سفن إلى شاطئ صيدا قبالة كلية المقاصد الإسلامية، ثم تولى سعد تفريغها ليلاً، ونقلها إلى أقبية الكلية، حيث تعاون مع بعض خبراء الأسلحة من أجل تصليحها وتنظيفها وتشحيمها. ثم راح يسلِّمها إلى المجاهدين الفلسطينيين.
عام 1948 كان معروف سعد أحد المقاتلين في معركة الدفاع عن عروبة فلسطين, فنظَّم مجموعة شابة من صيدا، وذهب على رأسها مع رفيقه في النضال محمد زغيب، النقيب في الجيش اللبناني، والسوري القومي الاجتماعي، إلى شمالي فلسطين، حيث دخلا على رأس سريتهما إلى المالكية وتمركزا فيها. لقد قاتلت السريتان قتالاً ضارباً، وقد استشهد القائد «محمد زغيب» في معركة المالكية الشهيرة. كما شاركت قوات السريتين في معارك «النبي يوشع» و«نجمة الصبح»و «قَدَس» ومعركة «الهراوي»، التي استمرت من الثانية فجراً وحتى الغروب، حيث أصيب فيها خضر سكيني في كتفه وساقه، وإذا كان لـ«حرب المالكية» أن ترتبط باسم رجال فعلى رأس هؤلاء: محمد زغيب ومعروف سعد، فالأول جرح فوق تربتها واستشهد، والثاني صمد بمفرده على أرضها، يواجه مع مجموعة يوغوسلافية هجوماً يهودياً كبيراً عليها. وظل يحارب دفاعاً عنها من الصباح حتى المساء إلى أن استعادها. وقد جاء في تقرير القيادة العربية آنذاك في عمان: «إن ما يحدث في المالكية لم يعد معركة... بل أصبح بطولة».
تصديه لتهريب اليهود
توقَّف تَهريب اليهود خلال حرب 1948، ولكن ما أن انتهت الحرب، وأعلن الصهاينة إقامة «دولتهم»، حتى عاد هرب اليهود وتَهريبهم من جديد. فوقف معروف سعد بالمرصاد للمهرَّبين، يقبض عليهم ويتوعدهم، ثم يسلمهم إلى السلطات.
و في عام 1949 صدر مرسوم بتعيين معروف سعد مفوضاً في الأمن العام، حيث تضاعف نشاطه في ملاحقة تَهريب اليهود إلى فلسطين. و بقيت قضية فلسطين شغله الشاغل، وقد كبرت فرحته بانطلاقة الثورة الفلسطينية، معتبراً انها استكمال لمسيرته النضالية، ورعاها رعاية الاب الصالح، وقدم في سبيلها الغالي والنفيس.
بين عامي 1949- 1957 عين مفوضاً في الشرطة، وارتكب «مخالفات» عديدة عندما كان يغض النظر عن المتظاهرين من أجل القضايا العربية والوطنية والإجتماعية.
وبين عامي 1954-1957، كان معروف في طليعة المتصدين للأحلاف الاستعمارية (حلف بغداد، ومشروع أيزنْهاور). واثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 قام سعد بتنظيم حملات للتطوع للقتال إلى جانب مصر ضد العدوان الفرنسي البريطاني «الإسرائيلي».
النائب
في انتخابات عام 1957 فاز معروف سعد بمقعده النيابي بقوة التيار الناصري بوجه قوى السلطة التي أسقطت معظم معارضيها. وكان قد استقال من وظيفته العسكرية ليخوض معارك الانتخابات النيابية في صيدا، وليفوز بها كلها ولمدة ستة عشر عاماً متوالية خلال اربع دورات، وليكون الصوت الهادر بالحق في الندوة البرلمانية دفاعاً عن القضايا الوطنية والقومية والشعبية المحقة، حتى ان خصومه السياسين يعترفون بأن «النيابة زحفت اليه، ولم يزحف لها». واستمر نائباً عن مدينة صيدا حتى عام 1972 حين أسقط في الانتخابات التي جرت في عهد حكومة الرئيس صائب سلام.
عام 1958 قاد حركة المقاومة الشعبية المسلحة في صيدا ضد الأحلاف العسكرية والمشاريع الغربية، وشكل قوة عسكرية، بقيادته أطلق عليها اسم «المقاومة الشعبية»، قامت بالتصدي للمشاريع الاستعمارية الغربية.
رئيساً لبلدية صيدا
في عام 1963 ترشح معروف سعد للانتخابات البلدية، وفازت لائحته كلها، فانتخبته رئيساً للبلدية التي بقي فيها حتى عام 1973، وهكذا اصبح نائباً عن مدينته صيدا، ورئيساً لبلديتها في آن معاً. فالمعارك السياسية والوطنية لم تكن منفصلة لديه عن المعارك الاجتماعية والعمرانية.
و في عهده شهدت البلدية ومدينة صيدا عموماً نهضة ملحوظة. فمن الناحية الادارية نظم معروف الادارة في البلدية، ودعّم ملاكاتها بعناصر فتية نشيطة. و سدّد ديونها، وأصبحت البلدية تتمتع باحتياطي من المال. وأنشأ معروف سعد مفرزة الإطفاء، كما أنجز مشروع الصرف الصحي في مختلف أنحاء المدينة، وشقّ الطرق وعبّدها، وأنار الشوارع, كما اعتنى بالآثار وعمل على فتح مدارس ابتدائية و ثانوية، وداراً للمعلمين ومهنية صيدا، وزوّدها بالوسائل التعليمية الحديثة، ونظّم توزيع مياه ري القاسمية لريّ بساتين صيدا, وأكمل جهاز المستشفى الحكومي, الفني و الاداري، وأهّله لاستقبال المرضى بانتظام.
وطالب سعد بحصة صيدا من عائدات النفط، كما طالب شركة «التابلاين» بالتعويض على الصيادين الذين خسروا مناطق صيدهم المفضلة، حيث أقامت الشركة منشآتها، ورست ناقلات النفط أمامها في عرض البحر. و كانت صيدا تفتقر إلى الاندية الثقافية والرياضية والكشفية والاجتماعية، فازدهرت ونمت في عهد سعد، نظراً الى تشجيعه الأهلين على انشائها، وتقديمه كل عون ومساعدة لها.
و لم تكن توجد في صيدا مكتبة عامة يؤمها الناس للقراءة و الدراسة، فأقام معروف مكتبة كبرى في أكبر صالة في القصر البلدي، و زوّدها بآلاف من الكتب العربية والفرنسية والانكليزية والروسية، وقدّم قطعة أرض للمشاريع التربوية والثقافية والدينية.
و كان أهم إنجاز عمراني قام به سعد، تأمين السكن اللائق للفئات الشعبية (حي التعمير) في منطقتَيْ عين الحلوة ورجال الاربعين.
و في عام 1973 أقالت حكومة صائب سلام معروف من رئاسة البلدية، وحلّت المجلس البلدي لسبب حقيقي اساسي، هو مواقفه الصلبة من قضايا العمال و مزارعي التبغ في الجنوب، وقيادته التظاهرات الوطنية في صيدا والنبطية تأييداً لهم، ومعارضته لسياسات الحكومة.
علاقته بعبد الناصر
بدأت العلاقة المتينة بين عبد الناصر ومعروف سعد منذ عام 1955 عندما أخذت قوات من الفدائيين المصريين تغير على المستوطنات «الاسرائيلية» عن طريق غزة. وتمّ التفاهم بواسطة رسل من مصر على قيام معروف سعد بدور داخل حدود فلسطين الشمالية، وذلك انطلاقاً من جنوب لبنان, وقام سعد بشجاعة وكتمان بذلك الدور الوطني. وازدادت علاقة معروف بعبد الناصر رسوخاً في عام 1958، عام الوحدة بين مصر وسورية، حيث كان لهذا الحدث الأثر الكبير في نفوس العروبيين المخلصين, وتوجّه معروف سعد على رأس وفد كبير الى دمشق لتهنئة الرئيس جمال عبد الناصر بـ«هذا الانجاز الكبير».
عام 1970 أسس معروف سعد تنظيماً ناصرياً مستلهماً أفكاره من مبادئ وأفكار ثورة «23 يوليو» الناصرية , تحت اسم (تنظيم القوى الشعبية الناصرية)، ثم تغير أسم هذا التنظيم و أصبح يحمل اسم «التنظيم الشعبي الناصري».
الشهيد
يروي الحاج أحمد محمد سليم السن لـ«البناء»، وهو الأقدم بين صيادي الأسماك في المدينة، وآخر أفراد الرعيل الأول الذين أسسوا «نقابة الصيادين» عام 1952، ما جرى في 26 شباط 1975 ويقول: «كان معروف سعد مريضاً يوم استشهاده، فتشاور الصيادون ومن «يمون» عليه كي يحضر معنا في الاعتصام والاضراب بعدما تلقّى نصيحة بملازمة المنزل، لأن المؤشرات غير طبيعية الى الأوضاع الأمنية، تقرر أن يذهب عدد منا إلى منزله ويحضروا معه، وكنت واقفاً مع سليم جمعة، ونتساءل لماذا تأخر معروف عن الحضور، وفوجئنا أنه كان عند مدخل صيدا الشمالي لجهة الأولي يُطفئ الإطارات المشتعلة والحرائق من وراء بعض الصيادين، وهو يقول لهم: «لا نريد مشاكل، نريد أن يمضي الإضراب على خير»، وكان احتجاجاً على موافقة السلطة اللبنانية بيع البحر لشركة «بروتيين» كي تقوم هي وحدها باصطياد الأسماك وتحصرنا في أماكن محددة لا يُمكن تجاوزها، بحيث نصبح في المستقبل عمالاً لديها، رفضنا الأمر وقررنا الإحتجاج والاعتصام، ولا سميا أن الاتفاق تمّ من دون علم النقابة أو مشاورتها، فاعتبرنا ذلك قطعاً للأرزاق»·
ويتابع السن حديثه إلى «البناء» قائلاً: «بعد قليل حضر معروف سعد، وسألناه لماذا تأخرت؟ فأجاب «هناك بعض الصيادين أحرقوا دواليب عند الملعب البلدي، ولا نريد وقوع مشاكل مع الدولة»، فقلنا له: «الدكتور نزيه البزري ينتظرك في المقهى»، فدخل اليه وسكبوا له الشاي على أن يشربه كالعادة».
ثم يتنهد السن قائلاً: «كأن معروف سعد كان يشعر بأن عمره سوف ينتهي، إذ قام بإفراغ بعض الشاي من الكوب، وأضاف عليه الماء كي يبرد سريعاً، وشربه دفعة واحدة كي يخرج للمشاركة في الاعتصام والمسيرة، وطلبنا منه التمهل، فأجابنا: «كلا·· لا أريد للمشاكل أن تقع». مشينا نحو مدرسة الراهبات، بدءاً من مقهى الصيادين، وبدأت الأمطار بالهطول بغزارة، وسِرْنا بلا تردد حتى وصلنا إلى كراج «الجبانة»، اختبأنا فيه من الأمطار مع معروف ونزيه، ثم مشى حتى وصل إلى باعة الخضار أمامنا، وصولاً إلى سينما «هيلتون»، سمعنا صوت «تروبيل»، بعدئذ تقدمنا قليلاً، وبدأ اطلاق النار، ركضنا نحو ساحة النجمة، حيث كان معروف والبزري، فجاء بشير وقال: «يا حاج أحمد أطلقوا النار على معروف عند ساحة النجمة حين كانت المسيرة قد وصلت»· لقد نصبوا له كميناً، وقنصه أحد العسكريين من قصر العدل القديم - السراي، فنقل إلى «مستشفى لبيب الطبي» في سيارة مع البزري، وكان وضعه خطيراً، إذ أصيب بطلقة متفجرة أصابت منه مقتلاً، وطلب الدكتور لبيب أبو ظهر نقله إلى بيروت، فنقل إلى مستشفى الجامعة الأميركية على وقع الاشتباكات واطلاق النار والاعتصامات وإحراق الاطارات، وبدأت الأحاديث تتناقل عن استشهاده، إلى أن أعلن النبأ في السادس من آذار، كان يوماً حزيناً على صيدا وكل لبنان، لأن ما أعطاه معروف سعد للمدينة والصيادين، لا يُمكن لأحد أن يعطيه، ولكن للأسف بعض الأشخاص لم يحفظوا الأمانة والوفاء له، لقد أعطانا حياته ودماءه، ويستحق منا التكريم والوفاء»·
ستة وثلاثون عاماً، وقنديل دمه لاينطفئ، وينبوع مقاومته لاينضب، وذكراه لاتشيخ، ومسيرة نضاله تتجدد جيلاً بعد جيل، ونهجه الذي عمّده بالدم الزكي، يترسخ أكثر فأكثر.
لا يمكن لهذه العبارات أن تختصر صفات معروف سعد، فهو مناضل الطبقات الفقيرة حتى الشهادة. هو الثائر على شتى صنوف القهر والاستغلال، والفدائي على أرضي فلسطين المحتلة، والمناضل في سورية، والمعتقل في سجون الاستعمار الفرنسي لسنوات عديدة، والأستاذ الذي سعت إليه كرسي النيابة ولم يسعَ إليها، هو رئيس البلدية الذي أوصلته معاناة الصيداويين إلى سدة رئاستها، في مواجهة تحالف السلطة والمال. والضابط المنحاز إلى مطالب المتظاهرين، والمنضم إليهم ضد السلطة الرجعية.
تخطّى الرجل الكاره لربطات العنق، والمتعلق بالبذة « الكاكية» في نضاله حدود لبنان وفلسطين وسائر الدول العربية إلى الميدان الدولي، منسجماً مع مبادئه، واقفاً إلى جانب انتفاضات الشعوب والثورة على الاستعمار والاضطهاد.
معروف سعد، صاحب مقولة «ما أروع الكفاح، حين يُرى ولا يُقَال، وما أسخف النضال حين يصبح حبراً على ورق»، معروف سعد «الهمشري» الذي تعرفه كل «البيوتات» الصيداوية، والضيف الدائم على موائدها بما وُضِع عليها من طعام، ومن دون إستئذان.
كان أسطورة، فما تزال سيرته وأعماله حاضرة في الأذهان، يروي الآباء لأبنائهم بطولاته في ساحات النضال، حتى آخر لحظات حياته، عندما سقط شهيداً برصاصة غادرة، مشبوهة الهدف، وهو يدافع عن حقوق الصيادين في وجه سلطان الإحتكار، الذي كانت تمثله في تلك الحادثة شركة «بروتيين» التي كانت تحاول سلب لقمة عيش الفقراء، وإبعادهم عنه، كان ذلك التاريخ يوم 26 شباط 1975.
الولادة والنشأة
ولد معروف سعد في مدينة صيدا عام 1910، من أب مزارع، أسرته شعبية متوسطة الدخل، تعمل في البساتين والزراعة، بدأ دراسته في مدرسة الفنون الإنجيلية في صيدا، ثم تابعها في مدرسة عاليه الوطنية، وتخرّج منها سنة 1929، ومن ثم عُيِّن ناظراً فيها.
مواجهة مخططات الاستعمار
بين عامي 1928- 1936، تنقل معروف سعد بين السعودية ودمشق وفلسطين ولبنان، عاملاً في حقل التدريس، ثم اشترك في أعمال المقاومة الفلسطينية، كما نظّم المقاومة الوطنية العملية من أرض صيدا، ضد قوافل التموين لليهود والبريطانيين المتجهة إلى فلسطين. عام 1935 قام الشيخ عز الدين القسام بثورة ضد البريطانيين، واستشهد على أثرها، ثم تبعه بعد فترة زميله الشيخ فرحان السعدي، فعمّت الثورة جبال فلسطين وتساقط الشهداء بالمئات، حيث كانت جميع الحركات والانتفاضات التي تقوم في فلسطين تتفاعل في صيدا، وخلال الإضراب الفلسطيني في 15 أيار 1936، الذي قدّمت فيه الحركة الوطنية الفلسطينية ما يزيد عن ألفي شهيد، اجتاحت صيدا موجة عارمة من الحقد على الصهاينة والبريطانيين، فتألفت لجنة لمساعدة المجاهدين، عمدت إلى تشكيل لجان فرعية لجمع التبرعات، ومراقبة الطرق لمنع تسرب المواد الغذائية إلى الصهاينة. كما تمكنت من إتلاف حمولة عشرات السيارات المرسلة إليهم، كما كانت أول مقاطعة للبضائع اليهودية، حيث كان معروف سعد على رأس مجموعة من المسلحين يقطعون الطرق على الشاحنات التي تخص اليهود.
هذا، وقاد معروف سعد التظاهرات الوطنية ضد سلطة الاستعمار الفرنسي وأعوانها في صيدا. كما اعتقل عدة مرات على أيدي السلطات الفرنسية، لا سيما بعد اقتحامه «قشلة» الدرك في صيدا عام 1936، على أثر سقوط عدد من أبناء صيدا برصاص الدرك.
عام 1937، التحق سعد بالثورة الفلسطينية في طولكرم في فلسطين، بقيادة المجاهد عبد الرحيم الحاج محمد، كما اشترك فعلياً في عدد كبير من العمليات الفدائية التي سجلت مواقف بطولاته، ومنحته لقب المجاهد الوطني.
لقد ساهم في تثبيت استقلال لبنان، فنظّم وقاد المقاومة الشعبية ضد سلطات الاستعمار الفرنسي في لبنان، كما عمل مع حسني الزعيم، الضابط الشامي الذي قاد في ما بعد انقلاباً عسكرياً في سورية أواخر أربعينيات القرن الماضي، وعمل على تنظيم حرب عصابات بإنشاء فرقة عسكرية من المتطوعين، كما ألَّف كتيبة من سوريين وفلسطينيين ولبنانيين، جرى تدريبها في الغوطة في ضواحي دمشق، ثم قادها في الكثير من العمليات العسكرية ضد الفرنسيين و الانكليز.
المعتقل
اعتقل معروف سعد في مقهى قصر البحر، غربي سراي صيدا، ثم نقل تحت حراسة مشددة إلى القلعة العسكرية في رأس بيروت، حيث سبقه إليها العقيد حسني الزعيم. كما نقل من قلعة رأس بيروت إلى قلعة راشيا (التي جعلها جيش فرنسا الحرة والجيش البريطاني عندما دخلا سورية ولبنان عام 1941 مقر حجز قاسٍ للمعتقلين السياسيين)، فسجن فيها لمدة سنة وبضعة أشهر، ومنها نقل إلى معتقل المية ومية شرقي صيدا، ولم يطلق سراحه إلا في شهر نيسان من عام 1945.
في تنقلاته المستمرة من معتقل إلى آخر، التقى معروف سعد في سجن الرمل أنطون سعاده، مؤسس الحزب السوري القومي الإجتماعي، كما التقى الكثيرين من المناضلين من كافة التوجهات، حيث كانت تشهد «قواويش» المعتقل نقاشات في القضايا القومية بين القوميين العرب، والسوريين القوميين الاجتماعيين، وآخرين من توجهات سياسية أخرى، بالإضافة إلى أشخاص محايدين، لاعلاقة لاعتقالهم بقضايا عامة. وكان الشعور السائد بين الفرقاء المتنافسين بضرورة مواصلة الكفاح من أجل إستقلال البلدان العربية، وفي طليعتها مسألة فلسطين.
وعندما أُفرج عن معروف سعد، لم يودعه أحد، لأنه كان آخر المعتقلين. فيما كانت الحرب العالمية الثانية قد وضعت أوزارها، وقد استقبلته صيدا وجبل عامل استقبالاً شعبياً رائعاً، هاتفة له وللاستقلال.
كما عمل سعد ناظراً داخلياً في كلية المقاصد الخيرية الإسلامية في صيدا بين عامي 1945 و1949. والفترة التي عاشها معروف سعد في مقاصد صيدا كانت فترة مجهولة للأكثرية، لكنها فترة هامة في حياته. وحدهم «المقاصديون» هم الذين يعرفون ماذا كانت تعني المقاصد لصيدا والجنوب، لم تكن مدرسة فحسب، بل كانت المصنع للحركات الوطنية والعربية. منها انطلقت في ما بعد أجيال العروبيين والتقدميين، كما كانت كل التظاهرات الوطنية والقومية تحضَّر فيها. وكل الحركات الوطنية كانت تعد بين جدرانِها ثم تنطلق منها. وقد لعب معروف سعد دوراً أساسياً في هذا التوجيه الثوري.
فدائي فلسطين
بين عامي 1946- 1948 بدأت قضية فلسطين تتأزم من جديد، حيث راح المجاهدون الفلسطينيون يستصرخون العرب في الأقطار المجاورة لنجدتِهم بالسلاح، فاتصل الحاج أمين الحسيني، مفتي فلسطين ورئيس الهيئة العربية العليا لفلسطين بمعروف سعد. وقد كان الحسيني يشتري السلاح من ليبيا بمساعدة التجار والمجاهدين هناك، حيث بقيت مخلفات من أسلحة البريطانيين والألمان، وقد واتفق الحسيني مع سعد على ترتيب عملية تأمين السلاح الى الثوار في فلسطين، فقام الحاج أمين بارسال الأسلحة في سفن إلى شاطئ صيدا قبالة كلية المقاصد الإسلامية، ثم تولى سعد تفريغها ليلاً، ونقلها إلى أقبية الكلية، حيث تعاون مع بعض خبراء الأسلحة من أجل تصليحها وتنظيفها وتشحيمها. ثم راح يسلِّمها إلى المجاهدين الفلسطينيين.
عام 1948 كان معروف سعد أحد المقاتلين في معركة الدفاع عن عروبة فلسطين, فنظَّم مجموعة شابة من صيدا، وذهب على رأسها مع رفيقه في النضال محمد زغيب، النقيب في الجيش اللبناني، والسوري القومي الاجتماعي، إلى شمالي فلسطين، حيث دخلا على رأس سريتهما إلى المالكية وتمركزا فيها. لقد قاتلت السريتان قتالاً ضارباً، وقد استشهد القائد «محمد زغيب» في معركة المالكية الشهيرة. كما شاركت قوات السريتين في معارك «النبي يوشع» و«نجمة الصبح»و «قَدَس» ومعركة «الهراوي»، التي استمرت من الثانية فجراً وحتى الغروب، حيث أصيب فيها خضر سكيني في كتفه وساقه، وإذا كان لـ«حرب المالكية» أن ترتبط باسم رجال فعلى رأس هؤلاء: محمد زغيب ومعروف سعد، فالأول جرح فوق تربتها واستشهد، والثاني صمد بمفرده على أرضها، يواجه مع مجموعة يوغوسلافية هجوماً يهودياً كبيراً عليها. وظل يحارب دفاعاً عنها من الصباح حتى المساء إلى أن استعادها. وقد جاء في تقرير القيادة العربية آنذاك في عمان: «إن ما يحدث في المالكية لم يعد معركة... بل أصبح بطولة».
تصديه لتهريب اليهود
توقَّف تَهريب اليهود خلال حرب 1948، ولكن ما أن انتهت الحرب، وأعلن الصهاينة إقامة «دولتهم»، حتى عاد هرب اليهود وتَهريبهم من جديد. فوقف معروف سعد بالمرصاد للمهرَّبين، يقبض عليهم ويتوعدهم، ثم يسلمهم إلى السلطات.
و في عام 1949 صدر مرسوم بتعيين معروف سعد مفوضاً في الأمن العام، حيث تضاعف نشاطه في ملاحقة تَهريب اليهود إلى فلسطين. و بقيت قضية فلسطين شغله الشاغل، وقد كبرت فرحته بانطلاقة الثورة الفلسطينية، معتبراً انها استكمال لمسيرته النضالية، ورعاها رعاية الاب الصالح، وقدم في سبيلها الغالي والنفيس.
بين عامي 1949- 1957 عين مفوضاً في الشرطة، وارتكب «مخالفات» عديدة عندما كان يغض النظر عن المتظاهرين من أجل القضايا العربية والوطنية والإجتماعية.
وبين عامي 1954-1957، كان معروف في طليعة المتصدين للأحلاف الاستعمارية (حلف بغداد، ومشروع أيزنْهاور). واثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 قام سعد بتنظيم حملات للتطوع للقتال إلى جانب مصر ضد العدوان الفرنسي البريطاني «الإسرائيلي».
النائب
في انتخابات عام 1957 فاز معروف سعد بمقعده النيابي بقوة التيار الناصري بوجه قوى السلطة التي أسقطت معظم معارضيها. وكان قد استقال من وظيفته العسكرية ليخوض معارك الانتخابات النيابية في صيدا، وليفوز بها كلها ولمدة ستة عشر عاماً متوالية خلال اربع دورات، وليكون الصوت الهادر بالحق في الندوة البرلمانية دفاعاً عن القضايا الوطنية والقومية والشعبية المحقة، حتى ان خصومه السياسين يعترفون بأن «النيابة زحفت اليه، ولم يزحف لها». واستمر نائباً عن مدينة صيدا حتى عام 1972 حين أسقط في الانتخابات التي جرت في عهد حكومة الرئيس صائب سلام.
عام 1958 قاد حركة المقاومة الشعبية المسلحة في صيدا ضد الأحلاف العسكرية والمشاريع الغربية، وشكل قوة عسكرية، بقيادته أطلق عليها اسم «المقاومة الشعبية»، قامت بالتصدي للمشاريع الاستعمارية الغربية.
رئيساً لبلدية صيدا
في عام 1963 ترشح معروف سعد للانتخابات البلدية، وفازت لائحته كلها، فانتخبته رئيساً للبلدية التي بقي فيها حتى عام 1973، وهكذا اصبح نائباً عن مدينته صيدا، ورئيساً لبلديتها في آن معاً. فالمعارك السياسية والوطنية لم تكن منفصلة لديه عن المعارك الاجتماعية والعمرانية.
و في عهده شهدت البلدية ومدينة صيدا عموماً نهضة ملحوظة. فمن الناحية الادارية نظم معروف الادارة في البلدية، ودعّم ملاكاتها بعناصر فتية نشيطة. و سدّد ديونها، وأصبحت البلدية تتمتع باحتياطي من المال. وأنشأ معروف سعد مفرزة الإطفاء، كما أنجز مشروع الصرف الصحي في مختلف أنحاء المدينة، وشقّ الطرق وعبّدها، وأنار الشوارع, كما اعتنى بالآثار وعمل على فتح مدارس ابتدائية و ثانوية، وداراً للمعلمين ومهنية صيدا، وزوّدها بالوسائل التعليمية الحديثة، ونظّم توزيع مياه ري القاسمية لريّ بساتين صيدا, وأكمل جهاز المستشفى الحكومي, الفني و الاداري، وأهّله لاستقبال المرضى بانتظام.
وطالب سعد بحصة صيدا من عائدات النفط، كما طالب شركة «التابلاين» بالتعويض على الصيادين الذين خسروا مناطق صيدهم المفضلة، حيث أقامت الشركة منشآتها، ورست ناقلات النفط أمامها في عرض البحر. و كانت صيدا تفتقر إلى الاندية الثقافية والرياضية والكشفية والاجتماعية، فازدهرت ونمت في عهد سعد، نظراً الى تشجيعه الأهلين على انشائها، وتقديمه كل عون ومساعدة لها.
و لم تكن توجد في صيدا مكتبة عامة يؤمها الناس للقراءة و الدراسة، فأقام معروف مكتبة كبرى في أكبر صالة في القصر البلدي، و زوّدها بآلاف من الكتب العربية والفرنسية والانكليزية والروسية، وقدّم قطعة أرض للمشاريع التربوية والثقافية والدينية.
و كان أهم إنجاز عمراني قام به سعد، تأمين السكن اللائق للفئات الشعبية (حي التعمير) في منطقتَيْ عين الحلوة ورجال الاربعين.
و في عام 1973 أقالت حكومة صائب سلام معروف من رئاسة البلدية، وحلّت المجلس البلدي لسبب حقيقي اساسي، هو مواقفه الصلبة من قضايا العمال و مزارعي التبغ في الجنوب، وقيادته التظاهرات الوطنية في صيدا والنبطية تأييداً لهم، ومعارضته لسياسات الحكومة.
علاقته بعبد الناصر
بدأت العلاقة المتينة بين عبد الناصر ومعروف سعد منذ عام 1955 عندما أخذت قوات من الفدائيين المصريين تغير على المستوطنات «الاسرائيلية» عن طريق غزة. وتمّ التفاهم بواسطة رسل من مصر على قيام معروف سعد بدور داخل حدود فلسطين الشمالية، وذلك انطلاقاً من جنوب لبنان, وقام سعد بشجاعة وكتمان بذلك الدور الوطني. وازدادت علاقة معروف بعبد الناصر رسوخاً في عام 1958، عام الوحدة بين مصر وسورية، حيث كان لهذا الحدث الأثر الكبير في نفوس العروبيين المخلصين, وتوجّه معروف سعد على رأس وفد كبير الى دمشق لتهنئة الرئيس جمال عبد الناصر بـ«هذا الانجاز الكبير».
عام 1970 أسس معروف سعد تنظيماً ناصرياً مستلهماً أفكاره من مبادئ وأفكار ثورة «23 يوليو» الناصرية , تحت اسم (تنظيم القوى الشعبية الناصرية)، ثم تغير أسم هذا التنظيم و أصبح يحمل اسم «التنظيم الشعبي الناصري».
الشهيد
يروي الحاج أحمد محمد سليم السن لـ«البناء»، وهو الأقدم بين صيادي الأسماك في المدينة، وآخر أفراد الرعيل الأول الذين أسسوا «نقابة الصيادين» عام 1952، ما جرى في 26 شباط 1975 ويقول: «كان معروف سعد مريضاً يوم استشهاده، فتشاور الصيادون ومن «يمون» عليه كي يحضر معنا في الاعتصام والاضراب بعدما تلقّى نصيحة بملازمة المنزل، لأن المؤشرات غير طبيعية الى الأوضاع الأمنية، تقرر أن يذهب عدد منا إلى منزله ويحضروا معه، وكنت واقفاً مع سليم جمعة، ونتساءل لماذا تأخر معروف عن الحضور، وفوجئنا أنه كان عند مدخل صيدا الشمالي لجهة الأولي يُطفئ الإطارات المشتعلة والحرائق من وراء بعض الصيادين، وهو يقول لهم: «لا نريد مشاكل، نريد أن يمضي الإضراب على خير»، وكان احتجاجاً على موافقة السلطة اللبنانية بيع البحر لشركة «بروتيين» كي تقوم هي وحدها باصطياد الأسماك وتحصرنا في أماكن محددة لا يُمكن تجاوزها، بحيث نصبح في المستقبل عمالاً لديها، رفضنا الأمر وقررنا الإحتجاج والاعتصام، ولا سميا أن الاتفاق تمّ من دون علم النقابة أو مشاورتها، فاعتبرنا ذلك قطعاً للأرزاق»·
ويتابع السن حديثه إلى «البناء» قائلاً: «بعد قليل حضر معروف سعد، وسألناه لماذا تأخرت؟ فأجاب «هناك بعض الصيادين أحرقوا دواليب عند الملعب البلدي، ولا نريد وقوع مشاكل مع الدولة»، فقلنا له: «الدكتور نزيه البزري ينتظرك في المقهى»، فدخل اليه وسكبوا له الشاي على أن يشربه كالعادة».
ثم يتنهد السن قائلاً: «كأن معروف سعد كان يشعر بأن عمره سوف ينتهي، إذ قام بإفراغ بعض الشاي من الكوب، وأضاف عليه الماء كي يبرد سريعاً، وشربه دفعة واحدة كي يخرج للمشاركة في الاعتصام والمسيرة، وطلبنا منه التمهل، فأجابنا: «كلا·· لا أريد للمشاكل أن تقع». مشينا نحو مدرسة الراهبات، بدءاً من مقهى الصيادين، وبدأت الأمطار بالهطول بغزارة، وسِرْنا بلا تردد حتى وصلنا إلى كراج «الجبانة»، اختبأنا فيه من الأمطار مع معروف ونزيه، ثم مشى حتى وصل إلى باعة الخضار أمامنا، وصولاً إلى سينما «هيلتون»، سمعنا صوت «تروبيل»، بعدئذ تقدمنا قليلاً، وبدأ اطلاق النار، ركضنا نحو ساحة النجمة، حيث كان معروف والبزري، فجاء بشير وقال: «يا حاج أحمد أطلقوا النار على معروف عند ساحة النجمة حين كانت المسيرة قد وصلت»· لقد نصبوا له كميناً، وقنصه أحد العسكريين من قصر العدل القديم - السراي، فنقل إلى «مستشفى لبيب الطبي» في سيارة مع البزري، وكان وضعه خطيراً، إذ أصيب بطلقة متفجرة أصابت منه مقتلاً، وطلب الدكتور لبيب أبو ظهر نقله إلى بيروت، فنقل إلى مستشفى الجامعة الأميركية على وقع الاشتباكات واطلاق النار والاعتصامات وإحراق الاطارات، وبدأت الأحاديث تتناقل عن استشهاده، إلى أن أعلن النبأ في السادس من آذار، كان يوماً حزيناً على صيدا وكل لبنان، لأن ما أعطاه معروف سعد للمدينة والصيادين، لا يُمكن لأحد أن يعطيه، ولكن للأسف بعض الأشخاص لم يحفظوا الأمانة والوفاء له، لقد أعطانا حياته ودماءه، ويستحق منا التكريم والوفاء»·
أخبار ذات صلة
مشروع قرار أممي يهدد إيران بعقوبات إذا لم تسمح بحرية الملاحة
2026-05-06 05:03 ص 28
روبيو: السلام بين إسرائيل ولبنان "ممكن".. وحزب "مشكلة"
2026-05-06 05:01 ص 20
ترامب يعلن تعليق عملية "مشروع الحرية" في مضيق هرمز
2026-05-06 04:59 ص 53
الحريري: السياسة الايرانية هدفها فرض القوة بمنطق استقواء لا يرى بالجوار إلا ساحة مستباحة
2026-05-05 08:56 م 131
ولي العهد السعودي: نقف بجانب الإمارات في دفاعها عن أمنها واستقرارها
2026-05-05 05:09 ص 103
قاسم: لن نقبل بمنطقة عازلة… والتفاوض المباشر تنازل مجاني!
2026-05-04 01:44 م 120
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
أبو مرعي… مهندس التحالفات أم صانع التوازنات؟ قراءة في دوره السياسي
2026-04-30 05:14 ص
د سمر البقاعي عيد العمال… تحية إلى الأيدي التي تبني رغم الأزمات
2026-04-30 05:11 ص
د. محمد حسيب البزري وعقيلته هالة عاصي… حين يصبح العطاء أسلوب حياة
2026-04-29 05:56 ص
نائب سعد : ديناميكية جديدة في التنظيم الناصري: دماء شابة تعيد رسم المشهد
2026-04-25 03:49 م
بالفيديو صيدا تُحاصَر بالصمت… وطرابلس تصرخ: أين رجال المدينة؟
2026-04-23 02:10 م
أمل خليل… شهيدة الكلمة الحرة تحت ركام الاستهداف
2026-04-23 05:57 ص
من يحمل ملف صيدا إلى بعبدا؟ سؤال برسم النواب أم الحسابات الضيّقة أولًا

