سليمان وعون يهديان التعيينات المسيحية لـ «14 آذار»
التصنيف: سياسة
2011-11-28 11:10 ص 1055
لم يكن من الصعب إنجاز عدد من التعيينات في مراكز الطوائف الإسلامية، ولو «بالمفرق» وبهدوء. فالتوافق الموضعي بين أهلها، وخاصة بين «امل» و«حزب الله» قادر على سحب شعرتها من عجين مجلس الوزراء. في حين أن «حرب الجنرالين» منعت ملء شواغر الفئة الأولى عند الطوائف المسيحية... واذا كان أوان رحيل الحكومة الميقاتية قد بات قريباً، وبالتالي نكون أمام مرحلة تصريف أعمال طويلة الأجل، ربما تستمر حتى انتخابات العام 2013، فإن رهان «الميشالين» على من يتنازل أولاً، يكون قد صبّ عملياً في خدمة فريق 14 آذار وخارطة طريقه الانتخابية، وبذلك، يصح القول إن الاثنين كانا يعملان بشكل ما لمصلحة فريق المعارضة، سواء بملء الارادة أو نتيجة سوء الإدارة.
فالكل يعرف أن «العناد المتبادل» بين بعبدا والرابية، أدى الى وضع التعيينات المسيحية في ثلاجة التنافس على «الطبق المسيحي». يطالب الأول بحصته من رجال الإدارة العامة، ويرفض الثاني الاعتراف به شريكاً في غلّة التعيينات.. والنتيجة صفر للرجلين... وعلامة كاملة لفريق المعارضة المسيحية وعلى رأسه سمير جعجع.
أدرك «أهل الحل والربط» العقدة السليمانية - العونية مبكراً، لكنهم اصطدموا بجدار فصل عال، فقد تدخل وسطاء ومصلحون كثر، أبرزهم المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم محاولاً تقريب وجهتي النظر. صولات وجولات بين بعبدا والرابية. محاولة ضخ مناخات ايجابية بين الفريقين. تشجيع المحيطين والحلفاء وكل من له «مونة». عشاء يجمع جبران باسيل ووسام بارودي إلى طاولة «المدير العام». يتدخل قائد الجيش العماد جان قهوجي محاولاً فكفكة بعض الحواجز على طريق «العمادين»... ولكن من دون جدوى، لا بل كان ملاحظاً أنه يوماً بعد يوم كان منسوب التنافر يزداد ومعه تتوقف الوساطات وعمل الوسطاء.
من التعيينات تبدأ الأزمة، وإلى التعيينات تعود: «أم العقد»، رئاسة مجلس القضاء الأعلى عالقة بين أليس شبطيني وطنوس مشلب، و«أخواتها» في رئاسة مجلس إدارة تلفزيون لبنان، وصولاً إلى سلّة القائمقامين... هنا، ثمة من يتحدث عن ملف كامل أعده وزير الداخلية مروان شربل لتعيين 22 قائمقاماً من أصل 24. أنجزت كل المواقع باستثناء المتن، كسروان وجبيل. وطبعاً، الخلاف هو نفسه: لمن ستكون الكلمة؟ لسيّد الأرض أم لسيّد القصر؟ للرئيس ميشال سليمان أو للعماد ميشال عون؟ يسري الأمر نفسه على التعيينات الأمنية المسيحية ومن يحل مثلا في قيادة منطقة جبل لبنان في قوى الأمن الداخلي.
وقوف التعيينات المسيحية أمام حائط الخلاف السليماني - العوني، دفع بالزعيم «البرتقالي» إلى استخدام سلاح التصعيد بوجه الأقربين قبل الأبعدين: لا للتعيينات الإدارية بكل ألوانها ومستوياتها. موقف حُمّل بالبريد السريع من الرابية، «إلى كلّ من يهمه الأمر»...
لولا «العناية الحوارية» التي أطلق رئيس الجمهورية مبادرتها، لكان لقاؤه الأخير مع العماد عون في نهاية تموز الماضي، في حكم المؤجل... مع العلم أن «صاحب الفخامة» تناول مطرقته محاولاً هدم بعض الجدران الفاصلة بين بعبدا والرابية، من خلال الدعوة إلى العشاء التكريمي على شرف البطريرك بشارة الراعي في عمشيت. ولكن بين الرجلين، أكثر من أزمة جغرافية... لتلامس أزمة الثقة المستمرة منذ ما قبل وصول ميشال سليمان الى قصر بعبدا.
وعلى الرغم من أنّ «الميشالين» يتحدّران من المدرسة العسكرية ذاتها، إلا أنّ فصولاً من التمايز تترك الكثير من المطبات على الطريق الفاصلة بينهما. إذ لم يحمل النصف الأول من عهد ميشال سليمان أي تقارب بين الرئيس الماروني و«الزعيم»، ولم يقتنع الأول بضرورة التحصّن بأسوار الثاني، كما لم يجد الأخير الحماسة ليكون في صفّ المقام الأول. سنوات ضوئية من التباينات أبعدت بين العمادين. «سيّد القصر» مكبّل بقيود التوافقية في الظاهر، وتهمة الانحياز في الباطن، التي ألقت عليه عباءة الرئاسة... و«زعيم الأكثرية المسيحية» مقيّد بهاجس الخوف من تراجع حضوره وشعبيته.
وإذا كانت جعبة «البرتقاليين» تفيض بالملاحظات على أداء رئيس الجمهورية، التي تجعل من مراجعة العلاقة «طابشة» نحو السلبية، فإن المحيطين بالأخير لا يجدون مبررات لهذه «النقمة»، على اعتبار أن «الظروف هي التي تتبدل من حول الرئيس وليست مواقفه، وحين تتقاطع مع قوى الرابع عشر من آذار يتهمه خصومها بالانحياز، وعندما تتقاطع مع قوى الثامن من آذار، يتهمه خصموها بالخروج عن الحيادية. أما نهجه فهو بمثابة خط ثالث أو خيار آخر جوهره الأساس توفير منظومة حماية للاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي».
لم يكن بعض المتابعين في وارد الإقرار أن ثمة مشكلة جوهرية بين الرئيس والعماد، وإن عرفت العلاقة بنظرهم بعض المحطات الخلافية وراكمت منسوباً غير قليل من الجفاء، وانعدام التواصل والثقة، لكن الطاولة الميقاتية خففت من حدّة التشنّج بعدما نال العماد عون الحصّة الوزارية التي ترضيه، وساهمت في إشاعة مناخ طيّب بين الاثنين، لتفتح أبواباً كانت لفترة طويلة مضت، موصدة.
غير أن الجلوس الاضطراري على طاولة حكومية واحدة، لم يبلغ حد إقناع الاثنين بحاجة كل واحد منهما للآخر، في مواجهة سمير جعجع وغيره. لا أساسات متينة لعمارة الرجلين، فنزاع النصف الأول من «العهد السليماني» أطاح بعواميد الثقة بينهما، ولا يبدو أن ترميمها وارد في ما تبقى من سني العهد. إذ بنظر «البرتقاليين»، فإن نهجي الرجلين مختلفان كلياً، كما رقعة الاهتمامات، وملعب تحرّك كل منهما.
لم يدرك سليمان أنه لا يستطيع أن يتحكّم بدفّة الحكم من دون ميشال عون، ولم يدرك الثاني أنه ليس بمقدوره وحده أن يقبض على دفة القرار المسيحي، فالرئيس لا يريد أن يخاصم أحداً أو أن يتخذ موقفاً حاسماً... في المقابل «ينيّشن» على حصّة وازنة من المواقع المسيحية. بينهما أيضاً تجربة الانتخابات النيابية والبلدية المرّة، حيث استخدم سليمان موقعه لتقوية نفوذه الانتخابي عبر رفع شعاره «الهجين» عن وسطيته، والاستقواء بتحالفات لا تلتقي سوى على خصومة «الجنرال».
«الاختبار البرتقالي»، يتضمن أكثر من ملف دقيق، يبدأ بالوضع السوري، الاستراتيجية الدفاعية والعلاقة مع المقاومة، الحوار الوطني، دور المؤسسات، ولا ينتهي في زواريب التعيينات الإدارية... وغيرها من القضايا البنيوية، التي تقود «العونيين» إلى سؤال بسيط: ماذا ستقّدم العلاقة مع جنرال بعبدا إلى جنرال الرابية؟
ولهذا فإن طبق التعيينات الإدارية كان بمثابة «القشة التي قصمت ظهر البعير». فتح «الجنرالان» شهيتهما للغرف من معجن الإدارة وزرع أزلامهما في ربوعها. تجربة السنوات الثلاث الأولى لا تشجّع «البرتقاليين» على تشريع أذرعتهما لكل ما سيقدم عليه الرئيس: نموذج الكازينو الفاقع اللون، لا يجوز برأيهم تعميمه. هنا تطوف الكوب «البرتقالية» بالملاحظات على أداء رئيس مجلس إدارة «بئر الذهب» حميد كريدي: ترقيات استنسابية، كيدية في التعاطي مع الموظفين «العونيين»، محسوبيات مناطقية لها الأولوية..
في غمضة عين ستصبح الانتخابات النيابية على الأبواب، وهناك من يشجّع الرجلين على تخطي حواجز الخلافات لنسج تفاهم انتخابي، أقله في كسروان وجبيل.
بين جماعة الرئيس من يرحّب بالتفاهم السياسي شرط أن يقف على عتبة الانتخابات النيابية، ذلك لأنّ الحديث عنها منذ اليوم هو برأيهم، ضرب من ضروب الخيال، وهي مرشّحة لتشهد أكثر من سيناريو انتخابي، ولا يمكن بالتالي التكهّن بمصيرها ومسارها مبكراً. يفضّل هؤلاء مناقشة القضايا الحالية، مثل حضور المسيحيين في الادارات العامة، الوضع السوري، الطائف، الصلاحيات، الاستراتيجية الدفاعية الخ...
لا شيء يوحي أن «سيّد القصر» مستعجل، أو بوارد التسليم منذ اليوم، بحاجته للتحالف انتخابياً مع «الرقم الأصعب» في الجبل «المسيحي»، كي يؤسّس لتكتل نيابي مذيل بتوقيع «رئاسي»، بانتظار بلورة الصورة المحيطة بالمنطقة. وعلى الرغم من أن الرجلين التقيا عند «تقاطع» النظام النسبي، الذي يتحمّسان لتكريسه في قانون الانتخابات النيابية المقبلة، فإنهما لم ينجحا حتى اللحظة في مراكمة تفاهماتهما.
إذ يبدو أن سليمان، يحتفظ بورقته الانتخابية، إلى مرحلة لاحقة، قبل الكشف عن مستورها، ربطاً بما قد تحمله «رياح التغيير» التي تلفح «عاصمة الأمويين»، والتي تحيّر أمر القوى اللبنانية وتذهب إلى حدّ «اللعب صولد» بالورقة الدمشقية، وفق رؤية كلّ طرف، ومصلحته التحالفية. وعلى هذا الأساس، تصعب راهناً محاولات جمع «الرئيس» و«الزعيم» على طاولة انتخابية واحدة، يفترض أن تضعهما في قطار واحد، ولو بأحجام مختلفة.
إذاً، النسبية قرّبت بين بعبدا والرابية التي تشجّع هذه المرّة على الخروج من النظام الأكثري، ولكنّ «الانتفاضة الانتخابية» تطرح علامات استفهام حول مصير العلاقة بين «الرئيس» و«البيك» الذي جاهر برفضه لهذا النظام «الإصلاحي» منعاً لذوبانه في المساحات الكبيرة. كثر من السياسيين يضمرون للنسبية رفضاً لتبنيها، ولكن وليد جنبلاط وحده يتمتع بالجرأة التي تخرجه من «ثياب المسايرة» للنظام الانتخابي، وعليه لا بدّ من ترقّب الخط البياني بين بعبدا والمختارة، اللتين تلتقيان حول «الوسطية»... وقد تختلفان حول القانون الانتخابي.
بحسب النظرة «البرتقالية»، فإن التنافس على الطبق الجماهيري ليس «حراماً» لكن ليس على أساس تسخير المؤسسات الأمنية والرسمية. ويتقديرهم فإن سليمان لو تصرّف وفق ما ينصّ عليه القانون، فهو عاجز عن الخروج من حديقة القصر الجمهوري، لأنه لم ينجح في تكوين حالة استقطابية مسيحية حتى الآن.
تكفي الإشارة، بنظر «البرتقاليين»، إلى أنه في العام 2013، سيكون الرئيس سليمان في العام الأخير من عهده. معادلة بسيطة تكفي بنظرهم، لأن يكون التحالف الانتخابي مع «السليمانيين» وزنا زائدا على الأكتاف لا يجوز حمله: إذ أن «فخامة الجنرال» لم ينجح في استثمار النصف الأول من عهده الذي يفترض أنه «زمن الحصاد»، فكيف سيكون الحال في سنته الأخيرة؟ بالنتيجة، الحديث عن الانتخابات النيابية ليس في محله.
هي سنة لكنها في ضوء ما ستشهده من تطورات خاصة في الساحة السورية، ستعطي ثلاثة أرباع العلامة لكل من سليمان وعون، ويبقى لهما أن يحصلا باقي النتيجة. عون يراهن على خروج النظام السوري قوياً من أزمته.. هل الرهان نفسه عند ميشال سليمان؟
فالكل يعرف أن «العناد المتبادل» بين بعبدا والرابية، أدى الى وضع التعيينات المسيحية في ثلاجة التنافس على «الطبق المسيحي». يطالب الأول بحصته من رجال الإدارة العامة، ويرفض الثاني الاعتراف به شريكاً في غلّة التعيينات.. والنتيجة صفر للرجلين... وعلامة كاملة لفريق المعارضة المسيحية وعلى رأسه سمير جعجع.
أدرك «أهل الحل والربط» العقدة السليمانية - العونية مبكراً، لكنهم اصطدموا بجدار فصل عال، فقد تدخل وسطاء ومصلحون كثر، أبرزهم المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم محاولاً تقريب وجهتي النظر. صولات وجولات بين بعبدا والرابية. محاولة ضخ مناخات ايجابية بين الفريقين. تشجيع المحيطين والحلفاء وكل من له «مونة». عشاء يجمع جبران باسيل ووسام بارودي إلى طاولة «المدير العام». يتدخل قائد الجيش العماد جان قهوجي محاولاً فكفكة بعض الحواجز على طريق «العمادين»... ولكن من دون جدوى، لا بل كان ملاحظاً أنه يوماً بعد يوم كان منسوب التنافر يزداد ومعه تتوقف الوساطات وعمل الوسطاء.
من التعيينات تبدأ الأزمة، وإلى التعيينات تعود: «أم العقد»، رئاسة مجلس القضاء الأعلى عالقة بين أليس شبطيني وطنوس مشلب، و«أخواتها» في رئاسة مجلس إدارة تلفزيون لبنان، وصولاً إلى سلّة القائمقامين... هنا، ثمة من يتحدث عن ملف كامل أعده وزير الداخلية مروان شربل لتعيين 22 قائمقاماً من أصل 24. أنجزت كل المواقع باستثناء المتن، كسروان وجبيل. وطبعاً، الخلاف هو نفسه: لمن ستكون الكلمة؟ لسيّد الأرض أم لسيّد القصر؟ للرئيس ميشال سليمان أو للعماد ميشال عون؟ يسري الأمر نفسه على التعيينات الأمنية المسيحية ومن يحل مثلا في قيادة منطقة جبل لبنان في قوى الأمن الداخلي.
وقوف التعيينات المسيحية أمام حائط الخلاف السليماني - العوني، دفع بالزعيم «البرتقالي» إلى استخدام سلاح التصعيد بوجه الأقربين قبل الأبعدين: لا للتعيينات الإدارية بكل ألوانها ومستوياتها. موقف حُمّل بالبريد السريع من الرابية، «إلى كلّ من يهمه الأمر»...
لولا «العناية الحوارية» التي أطلق رئيس الجمهورية مبادرتها، لكان لقاؤه الأخير مع العماد عون في نهاية تموز الماضي، في حكم المؤجل... مع العلم أن «صاحب الفخامة» تناول مطرقته محاولاً هدم بعض الجدران الفاصلة بين بعبدا والرابية، من خلال الدعوة إلى العشاء التكريمي على شرف البطريرك بشارة الراعي في عمشيت. ولكن بين الرجلين، أكثر من أزمة جغرافية... لتلامس أزمة الثقة المستمرة منذ ما قبل وصول ميشال سليمان الى قصر بعبدا.
وعلى الرغم من أنّ «الميشالين» يتحدّران من المدرسة العسكرية ذاتها، إلا أنّ فصولاً من التمايز تترك الكثير من المطبات على الطريق الفاصلة بينهما. إذ لم يحمل النصف الأول من عهد ميشال سليمان أي تقارب بين الرئيس الماروني و«الزعيم»، ولم يقتنع الأول بضرورة التحصّن بأسوار الثاني، كما لم يجد الأخير الحماسة ليكون في صفّ المقام الأول. سنوات ضوئية من التباينات أبعدت بين العمادين. «سيّد القصر» مكبّل بقيود التوافقية في الظاهر، وتهمة الانحياز في الباطن، التي ألقت عليه عباءة الرئاسة... و«زعيم الأكثرية المسيحية» مقيّد بهاجس الخوف من تراجع حضوره وشعبيته.
وإذا كانت جعبة «البرتقاليين» تفيض بالملاحظات على أداء رئيس الجمهورية، التي تجعل من مراجعة العلاقة «طابشة» نحو السلبية، فإن المحيطين بالأخير لا يجدون مبررات لهذه «النقمة»، على اعتبار أن «الظروف هي التي تتبدل من حول الرئيس وليست مواقفه، وحين تتقاطع مع قوى الرابع عشر من آذار يتهمه خصومها بالانحياز، وعندما تتقاطع مع قوى الثامن من آذار، يتهمه خصموها بالخروج عن الحيادية. أما نهجه فهو بمثابة خط ثالث أو خيار آخر جوهره الأساس توفير منظومة حماية للاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي».
لم يكن بعض المتابعين في وارد الإقرار أن ثمة مشكلة جوهرية بين الرئيس والعماد، وإن عرفت العلاقة بنظرهم بعض المحطات الخلافية وراكمت منسوباً غير قليل من الجفاء، وانعدام التواصل والثقة، لكن الطاولة الميقاتية خففت من حدّة التشنّج بعدما نال العماد عون الحصّة الوزارية التي ترضيه، وساهمت في إشاعة مناخ طيّب بين الاثنين، لتفتح أبواباً كانت لفترة طويلة مضت، موصدة.
غير أن الجلوس الاضطراري على طاولة حكومية واحدة، لم يبلغ حد إقناع الاثنين بحاجة كل واحد منهما للآخر، في مواجهة سمير جعجع وغيره. لا أساسات متينة لعمارة الرجلين، فنزاع النصف الأول من «العهد السليماني» أطاح بعواميد الثقة بينهما، ولا يبدو أن ترميمها وارد في ما تبقى من سني العهد. إذ بنظر «البرتقاليين»، فإن نهجي الرجلين مختلفان كلياً، كما رقعة الاهتمامات، وملعب تحرّك كل منهما.
لم يدرك سليمان أنه لا يستطيع أن يتحكّم بدفّة الحكم من دون ميشال عون، ولم يدرك الثاني أنه ليس بمقدوره وحده أن يقبض على دفة القرار المسيحي، فالرئيس لا يريد أن يخاصم أحداً أو أن يتخذ موقفاً حاسماً... في المقابل «ينيّشن» على حصّة وازنة من المواقع المسيحية. بينهما أيضاً تجربة الانتخابات النيابية والبلدية المرّة، حيث استخدم سليمان موقعه لتقوية نفوذه الانتخابي عبر رفع شعاره «الهجين» عن وسطيته، والاستقواء بتحالفات لا تلتقي سوى على خصومة «الجنرال».
«الاختبار البرتقالي»، يتضمن أكثر من ملف دقيق، يبدأ بالوضع السوري، الاستراتيجية الدفاعية والعلاقة مع المقاومة، الحوار الوطني، دور المؤسسات، ولا ينتهي في زواريب التعيينات الإدارية... وغيرها من القضايا البنيوية، التي تقود «العونيين» إلى سؤال بسيط: ماذا ستقّدم العلاقة مع جنرال بعبدا إلى جنرال الرابية؟
ولهذا فإن طبق التعيينات الإدارية كان بمثابة «القشة التي قصمت ظهر البعير». فتح «الجنرالان» شهيتهما للغرف من معجن الإدارة وزرع أزلامهما في ربوعها. تجربة السنوات الثلاث الأولى لا تشجّع «البرتقاليين» على تشريع أذرعتهما لكل ما سيقدم عليه الرئيس: نموذج الكازينو الفاقع اللون، لا يجوز برأيهم تعميمه. هنا تطوف الكوب «البرتقالية» بالملاحظات على أداء رئيس مجلس إدارة «بئر الذهب» حميد كريدي: ترقيات استنسابية، كيدية في التعاطي مع الموظفين «العونيين»، محسوبيات مناطقية لها الأولوية..
في غمضة عين ستصبح الانتخابات النيابية على الأبواب، وهناك من يشجّع الرجلين على تخطي حواجز الخلافات لنسج تفاهم انتخابي، أقله في كسروان وجبيل.
بين جماعة الرئيس من يرحّب بالتفاهم السياسي شرط أن يقف على عتبة الانتخابات النيابية، ذلك لأنّ الحديث عنها منذ اليوم هو برأيهم، ضرب من ضروب الخيال، وهي مرشّحة لتشهد أكثر من سيناريو انتخابي، ولا يمكن بالتالي التكهّن بمصيرها ومسارها مبكراً. يفضّل هؤلاء مناقشة القضايا الحالية، مثل حضور المسيحيين في الادارات العامة، الوضع السوري، الطائف، الصلاحيات، الاستراتيجية الدفاعية الخ...
لا شيء يوحي أن «سيّد القصر» مستعجل، أو بوارد التسليم منذ اليوم، بحاجته للتحالف انتخابياً مع «الرقم الأصعب» في الجبل «المسيحي»، كي يؤسّس لتكتل نيابي مذيل بتوقيع «رئاسي»، بانتظار بلورة الصورة المحيطة بالمنطقة. وعلى الرغم من أن الرجلين التقيا عند «تقاطع» النظام النسبي، الذي يتحمّسان لتكريسه في قانون الانتخابات النيابية المقبلة، فإنهما لم ينجحا حتى اللحظة في مراكمة تفاهماتهما.
إذ يبدو أن سليمان، يحتفظ بورقته الانتخابية، إلى مرحلة لاحقة، قبل الكشف عن مستورها، ربطاً بما قد تحمله «رياح التغيير» التي تلفح «عاصمة الأمويين»، والتي تحيّر أمر القوى اللبنانية وتذهب إلى حدّ «اللعب صولد» بالورقة الدمشقية، وفق رؤية كلّ طرف، ومصلحته التحالفية. وعلى هذا الأساس، تصعب راهناً محاولات جمع «الرئيس» و«الزعيم» على طاولة انتخابية واحدة، يفترض أن تضعهما في قطار واحد، ولو بأحجام مختلفة.
إذاً، النسبية قرّبت بين بعبدا والرابية التي تشجّع هذه المرّة على الخروج من النظام الأكثري، ولكنّ «الانتفاضة الانتخابية» تطرح علامات استفهام حول مصير العلاقة بين «الرئيس» و«البيك» الذي جاهر برفضه لهذا النظام «الإصلاحي» منعاً لذوبانه في المساحات الكبيرة. كثر من السياسيين يضمرون للنسبية رفضاً لتبنيها، ولكن وليد جنبلاط وحده يتمتع بالجرأة التي تخرجه من «ثياب المسايرة» للنظام الانتخابي، وعليه لا بدّ من ترقّب الخط البياني بين بعبدا والمختارة، اللتين تلتقيان حول «الوسطية»... وقد تختلفان حول القانون الانتخابي.
بحسب النظرة «البرتقالية»، فإن التنافس على الطبق الجماهيري ليس «حراماً» لكن ليس على أساس تسخير المؤسسات الأمنية والرسمية. ويتقديرهم فإن سليمان لو تصرّف وفق ما ينصّ عليه القانون، فهو عاجز عن الخروج من حديقة القصر الجمهوري، لأنه لم ينجح في تكوين حالة استقطابية مسيحية حتى الآن.
تكفي الإشارة، بنظر «البرتقاليين»، إلى أنه في العام 2013، سيكون الرئيس سليمان في العام الأخير من عهده. معادلة بسيطة تكفي بنظرهم، لأن يكون التحالف الانتخابي مع «السليمانيين» وزنا زائدا على الأكتاف لا يجوز حمله: إذ أن «فخامة الجنرال» لم ينجح في استثمار النصف الأول من عهده الذي يفترض أنه «زمن الحصاد»، فكيف سيكون الحال في سنته الأخيرة؟ بالنتيجة، الحديث عن الانتخابات النيابية ليس في محله.
هي سنة لكنها في ضوء ما ستشهده من تطورات خاصة في الساحة السورية، ستعطي ثلاثة أرباع العلامة لكل من سليمان وعون، ويبقى لهما أن يحصلا باقي النتيجة. عون يراهن على خروج النظام السوري قوياً من أزمته.. هل الرهان نفسه عند ميشال سليمان؟
أخبار ذات صلة
سي إن إن": ترامب يدرس استئناف العمليات العسكرية ضد إيران
2026-05-12 05:03 ص 77
أبو مرعي يرفع صورة للرئيس عون في الهلالية- صيدا: "رؤية تقود… وعزم لا ينكسر"
2026-05-11 03:52 م 143
وهاب دعا لإقرار قانون عفو يؤدي لتبييض السجون: لماذا الحقد على الموقوفين الإسلاميين؟
2026-05-11 12:31 م 79
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
زاروب طل وارجع في صيدا.. ذاكرة لا تنسى
2026-05-07 10:29 م
أبو مرعي… مهندس التحالفات أم صانع التوازنات؟ قراءة في دوره السياسي
2026-04-30 05:14 ص
د سمر البقاعي عيد العمال… تحية إلى الأيدي التي تبني رغم الأزمات
2026-04-30 05:11 ص
د. محمد حسيب البزري وعقيلته هالة عاصي… حين يصبح العطاء أسلوب حياة
2026-04-29 05:56 ص
نائب سعد : ديناميكية جديدة في التنظيم الناصري: دماء شابة تعيد رسم المشهد
2026-04-25 03:49 م
بالفيديو صيدا تُحاصَر بالصمت… وطرابلس تصرخ: أين رجال المدينة؟

