مواقف الشيخ الأسير أسفرت عن اعتذار السيد نصرالله بشكل غير مباشر وإيجابي
التصنيف: سياسة
2011-12-09 09:37 ص 3926
أحمد الأيوبي
تعرض الشيخ أحمد الأسير لحملة ضغط إعلامية وسياسية واسعة النطاق، تحت شعار احتواء تداعيات خطبة الجمعة التي رفض فيها الاعتداء على أم المؤمنين عائشة عليها السلام، وقد اعتقدنا نتيجة هذه الحملة أن حرباً مذهبية حقيقية قد اندلعت في مدينة صيدا وجوارها، من دون أن نفهم ويفهم الرأي العام اللبناني ما هي حقيقة الموقف، بعد أن تمكن إعلام قوى 8 آذار من تصوير الشيخ الأسير وكأنه هو البادئ في إطلاق حملة مذهبية تستهدف الطائفة الشيعية، في حين أن واقع الحال يفيد بأن ما قاله الشيخ لم يكن أكثر من ردة فعل على إساءة خطرة صدرت عن موقع مركزي في "حزب الله" لأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، هو رئيس مجلس الشورى في الحزب الشيخ محمد يزبك، الذي حاول تقديم مقاربة تجعل معسكر السيدة عائشة معسكراً صهيونياً.
ماذا قال الشيخ الأسير؟
قبل الإفاضة في النقاش والتحليل، لنقرأ ما أوضحه الشيخ الأسير في مؤتمر صحافي عقده بتاريخ 3 كانون الأول 2011، حول هذا الموضوع، حيث قال الآتي:
ـ أولاً : قيل في بعض وسائل الإعلام أن المؤتمر الصحفي الذي دعا اليه سماحة مفتي صيدا إنما هو في سياق الرد على خطبة الجمعة. أخبركم وأعلمكم جميعاً أنني كنت اليوم في اجتماع خاص مع سماحة المفتي ونفى جملة وتفصيلاً أن يكون مؤتمره رداً على الخطبة، بل تربطني معه أحسن العلاقات وحتى هذا التوضيح جاء بتمنٍ من سماحته. إنما كان تصرفه من باب تهدئة الوضع في المنطقة ليس إلا.
ـ ثانياً: قيل بأننا نحرض مذهبياً ونمنع عاشوراء في المنطقة، هذا محض كذب وافتراء، إنما النبرة في الخطبة كانت تصعيدية لأن احد المشايخ اعذروني بالتسمية الشيعة، خرج على قناة "المنار" الثلاثاء مساء وحاول أن يشبه معسكر الممانعة ما يسمى بالممانعة اليوم والمعسكر الأميركي الصهيوني بما حدث في واقعة تاريخية أليمة وهي موقعة الجمل في التاريخ بين سيدنا علي رضي الله عنه ومعسكر عائشة أسماه معسكر عائشة وقال" أيعقل أن نكون مع المعسكر الأميركي الصهيوني" تشبيهاً بأن عائشة والصحابة كالمشروع الأميركي الصهيوني، إذاً وصلوا الى أقصى حد في تجاوز الخطوط الحمراء، ذبحتمونا في 7 أيار و9 أيار، جعلتم رئاسة الحكومة مهزلة ومضحكة، هيمنتم على البلد ومرافق البلد، خوّنتم الزعماء السياسيين وغيرهم من أهل السنة والآن بدأ التطاول على أم المؤمنين وهذا لا نستطيع أن نتحمله لا من قريب ولا من بعيد".
وأضاف الشيخ الأسير: "أم المؤمنين عائشة بالنسبة لنا قرآن، أم المؤمنين بالنسبة لنا إسلام، فلذلك رفعنا الصوت، وهو صوت الألم، وأكدت نصف الخطبة على أننا نريد أن نعيش معاً مع جميع الطوائف والمذاهب، وليس لأحد من أهل السنة ولا لغيرهم أن ينتقد حتى عاشوراء للشيعة لجيراننا الشيعة الذين نقدر وبالمناسبة أمي شيعية، نصفي شيعي من ناحية النسب، ولهم أن يعتقدوا ويمارسوا الطقوس والعبادات التي يريدونها ولا يحق لنا أن ننتقد أو أن نمنع. وليس لنا سلطة بأن نمنع ولكن تصل القضية بأن حزب المقاومة يستغل موسم عاشوراء لكي يتطاولوا على أصحاب رسول الله كمعاوية مراراً مراراً مراراً، والآن عائشة، هذا لا نطيقه ولا نتحمله، وعليهم أن يعوا جيداً بأننا لن نسكت عن ذلك ان تكرر، وعلى قناة "المنار" وعلى هذا الشيخ الذي خرج علينا، الاعتذار مباشرة وفوراً من أمة محمد ومن المسلمين.
وتابع مسألة أخرى: "قيل بأننا نريد أن نمنع مجالس عاشوراء في صيدا وفي هذه المناطق، هذا كذب ومحض افتراء، نحن دائما دعوتنا سلمية وللعيش معاً، ومن أجل العيش معا نرفع الصوت، لأنهم وصلوا الى حد الإستكبار، ولا يريدون سماع غيرهم نهائياً. فأما منعنا لمجالس عاشوراء، فهذا كذب ومحض الكذب والافتراء، إنما الذي قلناه هو أن حزب المقاومة اذا أراد أن يستفيد أو أن يجعل مجالس عاشوراء للفتنة والطعن في الصحابة، فنحن نرفض هذه المجالس، وندعو سماحة المفتي وغيره الى ان يتصلوا بالمعنيين فيوقفوا ذلك. ومثال مختصر أختم به: هل يسمحون لنا مثلاً أن نذهب الى النبطية أو الى الغازية أو ما شابه عند جيراننا وأهلنا من الشيعة فنستأجر شقة ما ونقيم محاضرة حول فضيلة عائشة ومعاوية وطلحة والزبير؟ فليجيبونا، إن كانوا يقبلون هذا فنحن نقبل أن يستغل موسم عاشوراء للطعن في الصحابة وفي ديننا"، وختم قائلاً:"أعيد وأكرر نحن نريد العيش معاً فعليكم أن تعوا ذلك جيداً، نريد العيش معاً جميعاً كل الطوائف وكل المذاهب".
عناصر الحملة الإعلامية على الشيخ الأسير
ارتكزت الحملة على الشيخ الأسير على جملة عناصر أهمها:
[ تصوير أي اعتراض على موقف أي مسؤول في "حزب الله" وكأنه من المحرمات، بغض النظر عمن يفتعل الإشكال وعن المسؤول عن فعل الخطأ الأصلي، وكأن المطلوب تطبيق نظرية العصمة في كل شأن من الشؤون وعلى كل موقف من المواقف، مهما كبر أو صغر، والمقصود في هذا التوجيه والتركيز الإعلامي تطويع الرأي العام على قبول مثل هذه المواقف دون أي اعتراض أو ردة فعل.
ومن المستغرب في هذا السياق اندفاع إعلام قوى 8 آذار في انتقاد الشيخ الأسير دون أي إشارة إلى السبب الذي دعاه إلى اتخاذ موقف النقد لـ"حزب الله"، وخطورة الموقف، ولولا حقيقة هذه الخطورة، لما اضطر السيد حسن نصر الله إلى اتخاذ موقف هو أشبه بالنقد الضمني للشيخ محمد يزبك في خطبته يوم عاشوراء، عندما قال إن المطلوب أن نحترم مقدسات بعضنا بعضاً وبالتأكيد على (أهمية الالتزام) بفتوى المرشد الخامنئي القاضية بالامتناع عن سب وشتم الصحابة وخصوصاً أم المؤمنين عاشة رضي الله عنها.
[ أقدم الإعلام الذي أثار الخوف من "الظاهرة الأسيرية" على خلفية انتقاد الأسير لموقف الشيخ محمد يزبك، على إثارة كل أشكال النعرات الطائفية والمذهبية في سياق الحديث عن هذه الظاهرة، حتى تحول إعلاماً تحريضياً تجاوز حدث خطبة الجمعة، ليتشعب نحو مضامين أخرى، لا علاقة لها بصلب الموضوع، وللانقضاض على الشيخ الأسير على خلفية نصرته للشعب السوري المظلوم.
فقد تذكر هذا الإعلام الآن، أن تغيير ديمغرافياً قد حصل في منطقة شرق صيدا، وأن القرى المسيحية لم تعد مسيحية "صافية"، وكأن التمدد السكاني الذي جرى، قد حصل منذ بضعة أشهر، عند بروز حالة الشيخ أحمد الأسير؟!! في حين أن الواقع يفيد بعكس ذلك تماماً.. فالشيخ لم يكن جزءاً من حالة التهجير في الحرب، كما أنه معروف في الأوساط الإسلامية والمسيحية على حدٍ سواء، وهو في الوقت نفسه يجاهر ويفخر بأن أمه شيعية، وبالتالي فإن صيدا لا تواجه ظاهرة يتقدمها شخص إقصائي، وإنما واقع الحال هو اعتياد البعض على منسوب متدنٍ من التعبير حيال بعض القضايا التي يقاربها من موقعه السياسي ومن انتمائه العقائدي.
[ اختار الإعلام المتحامل على الشيخ الأسير مجموعة أوصاف متناقضة لهذا الشيخ، لا يمكن أن يقوم عاقل بإلصاقها بشخص واحد، وذلك نتيجة عدم فهم هؤلاء لطبيعة التحولات الحاصلة اليوم في الساحة الإسلامية اللبنانية والعربية. فقد وصف هؤلاء الشيخ الأسير بأنه "أمير أهل الدعوة" وهو السلفي وهو الإخواني.... مع العلم بأن هذه الصفات تعود لمدارس متنوعة إن لم نقل متناقضة في العمل الإسلامي، ولو أنهم تمعنوا في طبيعة الحركة التي يقوم بها هذا الشيخ لوجدوا أنها حالة فريدة تدمج بين الالتزام بالثوابت ومن الانخراط والانفتاح على حركة الدعوة، ومن قبول الآخر والقدرة على العيش معه دون حواجز وهمية وبرؤية واضحة قائمة على المصارحة وإرادة التعاون.. وهذا ما يتوقع أن تنتجه هذه المرحلة من الحراك العربي والإسلامي، من نماذج جديدة في وسائل العمل الشعبي، من المنتظر أن تتطور نحو سلوكيات متنوعة تستجيب للتحديات والمتطلبات المستجدة..
[ اعتماد صيغ التهويل في التعريف بحركة الشيخ أحمد الأسير، إلى درجة توصيف بعضهم لها بأنها "جمهورية" عبرا الإسلامية التي تكتظ شوارعها بجمهور المصلين، وتعم في ارجائها مظاهر "الدولة الاسلامية"، وإذ يعترف هؤلاء "التائهون" في أزقة "جمهورية عبرا"، بأنها "تغض النظر عن بيع الخمر في بعض متاجرها"، فإنهم سرعان ما يضربون هذا التوجه بأنه مرتبط بغاية دعائية، مفادها تجنب الاتهام بقمع الحريات والتضييق على السكان، من دون أن يعتبروا ذلك عقلانية وواقعية تسهم في التهدئة، في حين تنفجر محال بيع الخمور في مناطق أخرى بعد تهديد أصحابها جهاراً نهاراً..
وفي إطار "التهييج" الشعبوي يضيف هؤلاء الكتاب مصطلحات ومفردات عجيبة مثل قولهم: "أن الزائر (للجمهورية إياها!) يلاحظ حركة الاسلاميين الموالين للشيخ الاسير، وهم يتوجهون الى المسجد او يعودون منه، رجال ملتحون يرتدون الزي الاسلامي الموحد، فيما النساء اللواتي يرتدين "النقاب" الذي يغطي وجوههن يتوجهن الى مصلى النساء في المسجد ، ولأن الطلب على الصلاة يتزايد في حضرة الشيخ الاسير، فان الباحة الخارجية للمسجد باتت تستقبل اعدادا مضاعفة من المصلين، سيما وان قاعة الصلاة داخل المسجد لا تتسع لحركة المصلين يوم الجمعة (..) يوم الصلاة عند المسلمين".
وفي الواقع، فإنه ليس هناك "زي إسلامي موحد" وإنما أشكال مختلفة من اللباس يرتديها المسلمون، منها التراثي ومنها المعاصر، ولا يمكن الحديث عن ثوب موحد للمسلمين باستثناء ما يلبسه الحجاج في مناسكهم وما يكفَّن به أمواتهم..!!
أما تصوير الصلاة على أنها حركة يزداد عليه "الطلب"، ففي هذا اللفظ استهزاء بمشاعر المسلمين، لأنه يشبه عبادتهم بالتجارة التي يسودها العرض والطلب، ونعتقد بأن على هؤلاء الكتاب "العباقرة" أن يكفوا عن الكتابة فيما لا يفقهونه ولا يعلمونه لأنه بذلك يسيئون لأنفسهم ولغيرهم.
تجاهل الإعلام لكل الإيجابيات وللاتزان الذي يتحدث به الشيخ الأسير في مجمل الملفات المطروحة، وخاصة في العلاقة مع المسيحيين والشيعة، والتركيز على تركيب سلبيات مصطنعة وغير واقعية.
ما بعد مواقف الشيخ الأسير
أعاد موقف الشيخ الأسير النقاش حول المسألة الدائمة العالقة بين السنة والشيعة، وشجّع السيد نصر الله على التطرق إليها، وإن بشكل غير مباشر، وهي التي اعتقدنا أنها وجدت حلاً معقولاً لها مع الفتوى التي أصدرها الإمام الخامنئي، ونرى أنه من المفيد إعادة التذكير بها، وهي التي جاءت اجابة على استفتاء وجهه جمع من علماء ومثقفي الاحساء في أعقاب الإساءات التي وجهها الكويتي المنزوع الجنسية المقيم في لندن ياسر الحبيب للسيدة عائشة رضي الله عنها، وكان المستفتون طالبوا السيد الخامنئي بإبداء رأيه حول ما ورد من "اهانة صريحة وتحقير بكلمات بذيئة ومسيئة لزوج الرسول عليه الصلاة والسلام، أم المؤمنين السيدة عائشة".
أجاب السيد الخامنئي على ذلك بالقول:"يحرم النيل من رموز إخواننا السنة فضلاً عن اتهام زوج النبي بما يخل بشرفها بل هذا الأمر ممتنع على نساء الأنبياء وخصوصاً سيدهم الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم". وكان الإمام الخامنئي أكد في كلمة ألقاها في محافظة كردستان العام الماضي أن"الشخص الشيعي الذي يسئ لمقدسات اهل السنة فهو عميل للعدو حتى و إن كان جاهلا". وتعتبر هذه الفتوى تاكيدا لتلك التي أصدرها الامام الخامنئي في العام 2006م،وكانت ردا على سؤال وجه إليه حول حكم سب الصحابة والخلفاء الراشدين وذلك بقوله "إن أي قول أو فعل أو سلوك يعطي الحجة والذريعة للأعداء أو يؤدي إلى الفرقة والانقسام بين المسلمين هو بالقطع حرام شرعا".
نعيد التذكير بهذه الفتاوى لنعيد صياغة الموقف الإسلامي والوطني، تجاه قضية تسببت بشطر الأمة الإسلامية، والعمل من أجل الوحدة لا يتم دون تجاوزها، وهي التعرض للصحابة الكرام ولأمهات المؤمنين، وكانت المشكلة الكبرى هذه المرة صدور الإساءة من وكيل من أفتى بتحريمها، فالشيخ محمد يزبك هو الوكيل الشرعي للإمام الخامنئي، مما يدفعنا إلى التساؤل عن جدوى الفتوى وسبل إنزالها مواضع التطبيق..
لقد أحسن السيد حسن نصر الله في إعادة التأكيد على فتوى تحريم الإساءة، وإن كان المأمول منه أن يتجاوز المعالجة من منطلق منع الفتنة إلى الإيغال في البحث عن مقومات الوحدة الحقيقية، لأننا نعتقد بأنه حان الوقت للتخلص من الإيحاء بأن أهل السنة اليوم هم المسؤولون عن اغتيال الإمام الحسين رضي الله عنه، ولأن من شأن سحب الفتيل المذهبي أن يجعل الخلاف والصراع السياسي أهون خطراً من اختلاطه بالمذهبية المشؤومة..
في المقابل، نجد أن علماء وقادة الرأي عند أهل السنة مقصرون في تبيان حقيقة الموقف من طغيان يزيد ومسؤوليته عن قتل حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأن هذا الأمر ليس موضع خلاف مع الشيعة، بل إن استشهاد الإمام الحسين هو نكبة للأمة الإسلامية جمعاء.
أخيراً، نأمل أن يشكل استشهاد حفيد رسول الله الحسين بن علي رضي الله عنهما بارقة أمل لهذه الأمة، حتى تشق طريقها نحو الوحدة ونبذ الفرقة والعصبيات، بعيداً عن التحريض والتعامي عن موجبات الوحدة الإسلامية والوطنية.
تعرض الشيخ أحمد الأسير لحملة ضغط إعلامية وسياسية واسعة النطاق، تحت شعار احتواء تداعيات خطبة الجمعة التي رفض فيها الاعتداء على أم المؤمنين عائشة عليها السلام، وقد اعتقدنا نتيجة هذه الحملة أن حرباً مذهبية حقيقية قد اندلعت في مدينة صيدا وجوارها، من دون أن نفهم ويفهم الرأي العام اللبناني ما هي حقيقة الموقف، بعد أن تمكن إعلام قوى 8 آذار من تصوير الشيخ الأسير وكأنه هو البادئ في إطلاق حملة مذهبية تستهدف الطائفة الشيعية، في حين أن واقع الحال يفيد بأن ما قاله الشيخ لم يكن أكثر من ردة فعل على إساءة خطرة صدرت عن موقع مركزي في "حزب الله" لأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، هو رئيس مجلس الشورى في الحزب الشيخ محمد يزبك، الذي حاول تقديم مقاربة تجعل معسكر السيدة عائشة معسكراً صهيونياً.
ماذا قال الشيخ الأسير؟
قبل الإفاضة في النقاش والتحليل، لنقرأ ما أوضحه الشيخ الأسير في مؤتمر صحافي عقده بتاريخ 3 كانون الأول 2011، حول هذا الموضوع، حيث قال الآتي:
ـ أولاً : قيل في بعض وسائل الإعلام أن المؤتمر الصحفي الذي دعا اليه سماحة مفتي صيدا إنما هو في سياق الرد على خطبة الجمعة. أخبركم وأعلمكم جميعاً أنني كنت اليوم في اجتماع خاص مع سماحة المفتي ونفى جملة وتفصيلاً أن يكون مؤتمره رداً على الخطبة، بل تربطني معه أحسن العلاقات وحتى هذا التوضيح جاء بتمنٍ من سماحته. إنما كان تصرفه من باب تهدئة الوضع في المنطقة ليس إلا.
ـ ثانياً: قيل بأننا نحرض مذهبياً ونمنع عاشوراء في المنطقة، هذا محض كذب وافتراء، إنما النبرة في الخطبة كانت تصعيدية لأن احد المشايخ اعذروني بالتسمية الشيعة، خرج على قناة "المنار" الثلاثاء مساء وحاول أن يشبه معسكر الممانعة ما يسمى بالممانعة اليوم والمعسكر الأميركي الصهيوني بما حدث في واقعة تاريخية أليمة وهي موقعة الجمل في التاريخ بين سيدنا علي رضي الله عنه ومعسكر عائشة أسماه معسكر عائشة وقال" أيعقل أن نكون مع المعسكر الأميركي الصهيوني" تشبيهاً بأن عائشة والصحابة كالمشروع الأميركي الصهيوني، إذاً وصلوا الى أقصى حد في تجاوز الخطوط الحمراء، ذبحتمونا في 7 أيار و9 أيار، جعلتم رئاسة الحكومة مهزلة ومضحكة، هيمنتم على البلد ومرافق البلد، خوّنتم الزعماء السياسيين وغيرهم من أهل السنة والآن بدأ التطاول على أم المؤمنين وهذا لا نستطيع أن نتحمله لا من قريب ولا من بعيد".
وأضاف الشيخ الأسير: "أم المؤمنين عائشة بالنسبة لنا قرآن، أم المؤمنين بالنسبة لنا إسلام، فلذلك رفعنا الصوت، وهو صوت الألم، وأكدت نصف الخطبة على أننا نريد أن نعيش معاً مع جميع الطوائف والمذاهب، وليس لأحد من أهل السنة ولا لغيرهم أن ينتقد حتى عاشوراء للشيعة لجيراننا الشيعة الذين نقدر وبالمناسبة أمي شيعية، نصفي شيعي من ناحية النسب، ولهم أن يعتقدوا ويمارسوا الطقوس والعبادات التي يريدونها ولا يحق لنا أن ننتقد أو أن نمنع. وليس لنا سلطة بأن نمنع ولكن تصل القضية بأن حزب المقاومة يستغل موسم عاشوراء لكي يتطاولوا على أصحاب رسول الله كمعاوية مراراً مراراً مراراً، والآن عائشة، هذا لا نطيقه ولا نتحمله، وعليهم أن يعوا جيداً بأننا لن نسكت عن ذلك ان تكرر، وعلى قناة "المنار" وعلى هذا الشيخ الذي خرج علينا، الاعتذار مباشرة وفوراً من أمة محمد ومن المسلمين.
وتابع مسألة أخرى: "قيل بأننا نريد أن نمنع مجالس عاشوراء في صيدا وفي هذه المناطق، هذا كذب ومحض افتراء، نحن دائما دعوتنا سلمية وللعيش معاً، ومن أجل العيش معا نرفع الصوت، لأنهم وصلوا الى حد الإستكبار، ولا يريدون سماع غيرهم نهائياً. فأما منعنا لمجالس عاشوراء، فهذا كذب ومحض الكذب والافتراء، إنما الذي قلناه هو أن حزب المقاومة اذا أراد أن يستفيد أو أن يجعل مجالس عاشوراء للفتنة والطعن في الصحابة، فنحن نرفض هذه المجالس، وندعو سماحة المفتي وغيره الى ان يتصلوا بالمعنيين فيوقفوا ذلك. ومثال مختصر أختم به: هل يسمحون لنا مثلاً أن نذهب الى النبطية أو الى الغازية أو ما شابه عند جيراننا وأهلنا من الشيعة فنستأجر شقة ما ونقيم محاضرة حول فضيلة عائشة ومعاوية وطلحة والزبير؟ فليجيبونا، إن كانوا يقبلون هذا فنحن نقبل أن يستغل موسم عاشوراء للطعن في الصحابة وفي ديننا"، وختم قائلاً:"أعيد وأكرر نحن نريد العيش معاً فعليكم أن تعوا ذلك جيداً، نريد العيش معاً جميعاً كل الطوائف وكل المذاهب".
عناصر الحملة الإعلامية على الشيخ الأسير
ارتكزت الحملة على الشيخ الأسير على جملة عناصر أهمها:
[ تصوير أي اعتراض على موقف أي مسؤول في "حزب الله" وكأنه من المحرمات، بغض النظر عمن يفتعل الإشكال وعن المسؤول عن فعل الخطأ الأصلي، وكأن المطلوب تطبيق نظرية العصمة في كل شأن من الشؤون وعلى كل موقف من المواقف، مهما كبر أو صغر، والمقصود في هذا التوجيه والتركيز الإعلامي تطويع الرأي العام على قبول مثل هذه المواقف دون أي اعتراض أو ردة فعل.
ومن المستغرب في هذا السياق اندفاع إعلام قوى 8 آذار في انتقاد الشيخ الأسير دون أي إشارة إلى السبب الذي دعاه إلى اتخاذ موقف النقد لـ"حزب الله"، وخطورة الموقف، ولولا حقيقة هذه الخطورة، لما اضطر السيد حسن نصر الله إلى اتخاذ موقف هو أشبه بالنقد الضمني للشيخ محمد يزبك في خطبته يوم عاشوراء، عندما قال إن المطلوب أن نحترم مقدسات بعضنا بعضاً وبالتأكيد على (أهمية الالتزام) بفتوى المرشد الخامنئي القاضية بالامتناع عن سب وشتم الصحابة وخصوصاً أم المؤمنين عاشة رضي الله عنها.
[ أقدم الإعلام الذي أثار الخوف من "الظاهرة الأسيرية" على خلفية انتقاد الأسير لموقف الشيخ محمد يزبك، على إثارة كل أشكال النعرات الطائفية والمذهبية في سياق الحديث عن هذه الظاهرة، حتى تحول إعلاماً تحريضياً تجاوز حدث خطبة الجمعة، ليتشعب نحو مضامين أخرى، لا علاقة لها بصلب الموضوع، وللانقضاض على الشيخ الأسير على خلفية نصرته للشعب السوري المظلوم.
فقد تذكر هذا الإعلام الآن، أن تغيير ديمغرافياً قد حصل في منطقة شرق صيدا، وأن القرى المسيحية لم تعد مسيحية "صافية"، وكأن التمدد السكاني الذي جرى، قد حصل منذ بضعة أشهر، عند بروز حالة الشيخ أحمد الأسير؟!! في حين أن الواقع يفيد بعكس ذلك تماماً.. فالشيخ لم يكن جزءاً من حالة التهجير في الحرب، كما أنه معروف في الأوساط الإسلامية والمسيحية على حدٍ سواء، وهو في الوقت نفسه يجاهر ويفخر بأن أمه شيعية، وبالتالي فإن صيدا لا تواجه ظاهرة يتقدمها شخص إقصائي، وإنما واقع الحال هو اعتياد البعض على منسوب متدنٍ من التعبير حيال بعض القضايا التي يقاربها من موقعه السياسي ومن انتمائه العقائدي.
[ اختار الإعلام المتحامل على الشيخ الأسير مجموعة أوصاف متناقضة لهذا الشيخ، لا يمكن أن يقوم عاقل بإلصاقها بشخص واحد، وذلك نتيجة عدم فهم هؤلاء لطبيعة التحولات الحاصلة اليوم في الساحة الإسلامية اللبنانية والعربية. فقد وصف هؤلاء الشيخ الأسير بأنه "أمير أهل الدعوة" وهو السلفي وهو الإخواني.... مع العلم بأن هذه الصفات تعود لمدارس متنوعة إن لم نقل متناقضة في العمل الإسلامي، ولو أنهم تمعنوا في طبيعة الحركة التي يقوم بها هذا الشيخ لوجدوا أنها حالة فريدة تدمج بين الالتزام بالثوابت ومن الانخراط والانفتاح على حركة الدعوة، ومن قبول الآخر والقدرة على العيش معه دون حواجز وهمية وبرؤية واضحة قائمة على المصارحة وإرادة التعاون.. وهذا ما يتوقع أن تنتجه هذه المرحلة من الحراك العربي والإسلامي، من نماذج جديدة في وسائل العمل الشعبي، من المنتظر أن تتطور نحو سلوكيات متنوعة تستجيب للتحديات والمتطلبات المستجدة..
[ اعتماد صيغ التهويل في التعريف بحركة الشيخ أحمد الأسير، إلى درجة توصيف بعضهم لها بأنها "جمهورية" عبرا الإسلامية التي تكتظ شوارعها بجمهور المصلين، وتعم في ارجائها مظاهر "الدولة الاسلامية"، وإذ يعترف هؤلاء "التائهون" في أزقة "جمهورية عبرا"، بأنها "تغض النظر عن بيع الخمر في بعض متاجرها"، فإنهم سرعان ما يضربون هذا التوجه بأنه مرتبط بغاية دعائية، مفادها تجنب الاتهام بقمع الحريات والتضييق على السكان، من دون أن يعتبروا ذلك عقلانية وواقعية تسهم في التهدئة، في حين تنفجر محال بيع الخمور في مناطق أخرى بعد تهديد أصحابها جهاراً نهاراً..
وفي إطار "التهييج" الشعبوي يضيف هؤلاء الكتاب مصطلحات ومفردات عجيبة مثل قولهم: "أن الزائر (للجمهورية إياها!) يلاحظ حركة الاسلاميين الموالين للشيخ الاسير، وهم يتوجهون الى المسجد او يعودون منه، رجال ملتحون يرتدون الزي الاسلامي الموحد، فيما النساء اللواتي يرتدين "النقاب" الذي يغطي وجوههن يتوجهن الى مصلى النساء في المسجد ، ولأن الطلب على الصلاة يتزايد في حضرة الشيخ الاسير، فان الباحة الخارجية للمسجد باتت تستقبل اعدادا مضاعفة من المصلين، سيما وان قاعة الصلاة داخل المسجد لا تتسع لحركة المصلين يوم الجمعة (..) يوم الصلاة عند المسلمين".
وفي الواقع، فإنه ليس هناك "زي إسلامي موحد" وإنما أشكال مختلفة من اللباس يرتديها المسلمون، منها التراثي ومنها المعاصر، ولا يمكن الحديث عن ثوب موحد للمسلمين باستثناء ما يلبسه الحجاج في مناسكهم وما يكفَّن به أمواتهم..!!
أما تصوير الصلاة على أنها حركة يزداد عليه "الطلب"، ففي هذا اللفظ استهزاء بمشاعر المسلمين، لأنه يشبه عبادتهم بالتجارة التي يسودها العرض والطلب، ونعتقد بأن على هؤلاء الكتاب "العباقرة" أن يكفوا عن الكتابة فيما لا يفقهونه ولا يعلمونه لأنه بذلك يسيئون لأنفسهم ولغيرهم.
تجاهل الإعلام لكل الإيجابيات وللاتزان الذي يتحدث به الشيخ الأسير في مجمل الملفات المطروحة، وخاصة في العلاقة مع المسيحيين والشيعة، والتركيز على تركيب سلبيات مصطنعة وغير واقعية.
ما بعد مواقف الشيخ الأسير
أعاد موقف الشيخ الأسير النقاش حول المسألة الدائمة العالقة بين السنة والشيعة، وشجّع السيد نصر الله على التطرق إليها، وإن بشكل غير مباشر، وهي التي اعتقدنا أنها وجدت حلاً معقولاً لها مع الفتوى التي أصدرها الإمام الخامنئي، ونرى أنه من المفيد إعادة التذكير بها، وهي التي جاءت اجابة على استفتاء وجهه جمع من علماء ومثقفي الاحساء في أعقاب الإساءات التي وجهها الكويتي المنزوع الجنسية المقيم في لندن ياسر الحبيب للسيدة عائشة رضي الله عنها، وكان المستفتون طالبوا السيد الخامنئي بإبداء رأيه حول ما ورد من "اهانة صريحة وتحقير بكلمات بذيئة ومسيئة لزوج الرسول عليه الصلاة والسلام، أم المؤمنين السيدة عائشة".
أجاب السيد الخامنئي على ذلك بالقول:"يحرم النيل من رموز إخواننا السنة فضلاً عن اتهام زوج النبي بما يخل بشرفها بل هذا الأمر ممتنع على نساء الأنبياء وخصوصاً سيدهم الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم". وكان الإمام الخامنئي أكد في كلمة ألقاها في محافظة كردستان العام الماضي أن"الشخص الشيعي الذي يسئ لمقدسات اهل السنة فهو عميل للعدو حتى و إن كان جاهلا". وتعتبر هذه الفتوى تاكيدا لتلك التي أصدرها الامام الخامنئي في العام 2006م،وكانت ردا على سؤال وجه إليه حول حكم سب الصحابة والخلفاء الراشدين وذلك بقوله "إن أي قول أو فعل أو سلوك يعطي الحجة والذريعة للأعداء أو يؤدي إلى الفرقة والانقسام بين المسلمين هو بالقطع حرام شرعا".
نعيد التذكير بهذه الفتاوى لنعيد صياغة الموقف الإسلامي والوطني، تجاه قضية تسببت بشطر الأمة الإسلامية، والعمل من أجل الوحدة لا يتم دون تجاوزها، وهي التعرض للصحابة الكرام ولأمهات المؤمنين، وكانت المشكلة الكبرى هذه المرة صدور الإساءة من وكيل من أفتى بتحريمها، فالشيخ محمد يزبك هو الوكيل الشرعي للإمام الخامنئي، مما يدفعنا إلى التساؤل عن جدوى الفتوى وسبل إنزالها مواضع التطبيق..
لقد أحسن السيد حسن نصر الله في إعادة التأكيد على فتوى تحريم الإساءة، وإن كان المأمول منه أن يتجاوز المعالجة من منطلق منع الفتنة إلى الإيغال في البحث عن مقومات الوحدة الحقيقية، لأننا نعتقد بأنه حان الوقت للتخلص من الإيحاء بأن أهل السنة اليوم هم المسؤولون عن اغتيال الإمام الحسين رضي الله عنه، ولأن من شأن سحب الفتيل المذهبي أن يجعل الخلاف والصراع السياسي أهون خطراً من اختلاطه بالمذهبية المشؤومة..
في المقابل، نجد أن علماء وقادة الرأي عند أهل السنة مقصرون في تبيان حقيقة الموقف من طغيان يزيد ومسؤوليته عن قتل حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأن هذا الأمر ليس موضع خلاف مع الشيعة، بل إن استشهاد الإمام الحسين هو نكبة للأمة الإسلامية جمعاء.
أخيراً، نأمل أن يشكل استشهاد حفيد رسول الله الحسين بن علي رضي الله عنهما بارقة أمل لهذه الأمة، حتى تشق طريقها نحو الوحدة ونبذ الفرقة والعصبيات، بعيداً عن التحريض والتعامي عن موجبات الوحدة الإسلامية والوطنية.
أخبار ذات صلة
واشنطن تلوّح ب"المطرقة الثقيلة" إذا انهارت هدنة إيران
2026-05-12 11:38 م 36
اسماء لارتباطهم بحزب .. الإمارات تدرج 21 فرداً وكياناً على قائمة الإرهاب المحلية
2026-05-12 11:36 م 48
سي إن إن": ترامب يدرس استئناف العمليات العسكرية ضد إيران
2026-05-12 05:03 ص 84
أبو مرعي يرفع صورة للرئيس عون في الهلالية- صيدا: "رؤية تقود… وعزم لا ينكسر"
2026-05-11 03:52 م 144
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
زاروب طل وارجع في صيدا.. ذاكرة لا تنسى
2026-05-07 10:29 م
أبو مرعي… مهندس التحالفات أم صانع التوازنات؟ قراءة في دوره السياسي
2026-04-30 05:14 ص
د سمر البقاعي عيد العمال… تحية إلى الأيدي التي تبني رغم الأزمات
2026-04-30 05:11 ص
د. محمد حسيب البزري وعقيلته هالة عاصي… حين يصبح العطاء أسلوب حياة
2026-04-29 05:56 ص
نائب سعد : ديناميكية جديدة في التنظيم الناصري: دماء شابة تعيد رسم المشهد
2026-04-25 03:49 م
بالفيديو صيدا تُحاصَر بالصمت… وطرابلس تصرخ: أين رجال المدينة؟

