صيدا: الاستثناء يلتحق بالقاعدة؟
التصنيف: سياسة
2012-07-30 10:26 ص 744
هذه ليست المرة الأولى التي تقفل فيها صيدا طريقها الدولية. في عام 1975، فعلت ذلك، بعد تعرّض زعيمها المقاوم معروف سعد في 26 شباط لإطلاق نار، خلال مشاركته صيادي الأسماك في تظاهرتهم ضد قرار الرئيس كميل شمعون احتكار الصيد لصالح شركة «بروتين». يومها خرجت كلّ صيدا إلى الشارع، وأقفلت المدينة سبعة أيام في انتظار سعد، الذي عاد إليها شهيداً في 6 آذار.
اليوم، وللأسبوع الخامس على التوالي، تقفل صيدا طريقها الدولية مجدداً.
فارق كبير بين الحدثين. أو كما يقول أحد أبناء المدينة «بعيد الشبه والتشبيه». صيدا التي انتفضت قبل 37 عاماً حزناً على بطل من أبطال المقاومة، تجد نفسها اليوم عاجزة أمام اعتصام يشلّ حركتها، للمطالبة بسحب سلاح المقاومة.
فشل الدعوة إلى الإضراب، الذي كان مقرّراً اليوم، كان بمثابة الضربة القاضية. لم يتردد أحدهم في القول إثر الاجتماع الذي شهدته البلدية صباحاً «لقد تحولت صيدا الوطنية إلى صيدا السنية». كان الأخير يراهن على إضراب، يتضمن بيانه عبارة «لا للفتنة»، ولا يكتفي بالتحذير من التداعيات الاقتصادية التي تهدّد التجار. إضراب يرفض خطاب الشيخ أحمد الأسير، وليس أثر تحرّكه على اقتصاد المدينة. لكن فاعليات صيدا فشلت في تحقيق ذلك. منهم من يردّ الأمر إلى أن سياسييها يعملون وهم يضعون انتخابات 2013 نصب أعينهم، ومنهم من يؤكد وجود تواطؤ بين الأسير و«تيار المستقبل»، فيما يرى المتشائمون أن صيدا تحوّلت. وأن خطاب الأسير بات يرضي أبناءها. كيف لا، وعدد من أبناء المدينة يؤكد سماعه تبريرات الأسير المذهبية لتحرّكه على لسان نائبي صيدا.
ينفعل ابن صيدا، الستيني، وهو يطرح السؤال على أصدقائه: هل هناك تاريخ في العالم يطير؟
لم يطرح هذا المناضل العتيق السؤال من فراغ. ولم تكن الجلسة التي دارت في أحد مكاتب صيدا أول من أمس، ترفاً فكرياً. التطورات الحاصلة في المدينة لا تسمح بهذا الترف. هنا، التوتر يخيّم على الجميع. والإشكالات التي تقع تنذر كلّ يوم باحتمال اندلاع شرارة حرب جديدة. وبين اتصال وآخر لاستقاء المعلومات عن تحرّكات فاعليات المدينة تحضيراً لاجتماع البلدية أمس، يعدّد محدّثونا مفاصل أساسية من تاريخ عاصمة الجنوب. لم يكتفوا بالتاريخ الحديث الذي عايشوه، وكانوا فيه من المناضلين الذين حفظوا لصيدا هويتها القومية والمقاومة التي عرفتها على مدى قرون. عادوا إلى عهد السلطنة العثمانية، وتذكروا كيف كانت المدينة مساحة للحوار، يأتي إليها المثقفون من مختلف المناطق، ويتناقشون في مطبعة العرفان الشهيرة التي كان يديرها الشيخ أحمد عارف الزين. وكيف خرج أبناؤها لاستقبال الملك فيصل الأول الذي قاد مع والده الشريف حسين «الثورة العربية الكبرى» للانفصال عن الحكم التركي. وكيف شهدت شوارعها تظاهرات ضد الانتداب الفرنسي، سقط فيها عدد من الشهداء. كما سقط الشهداء في معركة ميسلون الشهيرة التي التحقوا بها. أما فلسطين فكانت البوصلة منذ عام 1936، إذ شارك الصيداويون في ثورتها آنذاك، ثم في معركة المالكية عام 1948. واستمرّت المدينة تقدّم الدعم للمقاومين وتنقل إليهم السلاح، حتى انخرطت هي نفسها في العمل المقاوم مع الاجتياح الإسرائيلي عام1982، وحققت الانسحاب الإسرائيلي الأول في عام 1985 بعدما شهدت شوارعها نحو 40% من عمليات المقاومة العسكرية ضد قوات الاحتلال. وكان الشهداء الذين سقطوا في المدينة ينتمون إلى مختلف الطوائف اللبنانية، ومختلف الانتماءات. وعلى مدى كلّ هذه السنوات، كانت صيدا حاضنة الجميع. «أبناء الجنوب» كما يسمّونهم، وأبناء جزين. الاستثناء الوحيد، كان الاشتباكات التي وقعت في قرى شرقي صيدا بعد الانسحاب الإسرائيلي.
يتوقف محدّثونا قليلاً عند هذا التاريخ. ففي عام 1985، حصل أمر غريب في المدينة، مع محاولات تأسيس «جيش الكنَيسات»، الذي انخرط فيه عدد من قدامى الجيش. التجربة التي لم تنجح، كانت مؤشراً على الحاجة إلى وجود قوة سنية، على غرار بقية القوى الطائفية الأخرى التي كانت قد نشأت في لبنان. وقد أثبت فشلها أن صيدا تبقى الاستثناء اللبناني، الذي حافظ على الهوية الوطنية المقاومة حتى وقت متأخر!
هل يصبح كلّ ما سبق في ذمة التاريخ؟
سؤال مطروح بقوة اليوم. ذلك أن اعتصام الشيخ الأسير، والإشكالات التي رافقته، تهدّد هذه الهوية التي تفاخر بها صيدا. المدينة التي يقصدها اللبنانيون، وخصوصاً في شهر رمضان، تكاد تكون فارغة. حالها، حال القطط الناعسة في أحياء المدينة القديمة. هنا، يمارس الفقراء حياتهم الطبيعية. يعدّون لوجبة الإفطار بما تيسّر، يشكون الهمّ الاقتصادي، وغياب أهل بيروت والجنوب والإقليم عن المقاهي التي اعتادت اجتذابهم إليها منذ عام 2004. مقاه جذبت إليها أيضاً أبناء «صيدا الجديدة»، التي قامت مكان البساتين، فعرّفتهم إلى مدينة كبروا بعيداً عنها.
لكن الوضع مختلف هذا العام. والمدينة التي لم يعبرها رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى المصيلح منذ بداية شهر رمضان، كما يقول الشيخ الأسير لـ«الأخبار»، معتبراً هذا أحد إنجازات اعتصامه، لم يدخل مقاهيها أيضاً أي غريب عنها، بالإضافة إلى تراجع إقبال الصيداويين أنفسهم عليها.
غير بعيد عن هذه المقاهي، يقع محل أبو علي السكافي الصغير لبيع الدخان. «الحمد لله على السلامة» هي العبارة التي تتردد على لسان كلّ من يمرّ به، أو يقصده لاستنكار ما تعرّض له قبل أيام عند الأوتوستراد البحري. ابن صيدا الذي قاوم الاحتلال الإسرائيلي وفق استطاعته يبدو غير قادر بعد على تجاوز ما حصل معه. تغزو الدموع عينيه كلما أجاب «الله يسلّمك». أما عندما نسأله: «هل أنت خائف على صيدا؟». ترتجف يداه، تنتفخ وجنتاه، ويبكي. «الفتنة يا عمي. الفتنة» يقول الرجل. لا تفسير برأيه لما يحصل في صيدا اليوم إلا أن المعتصمين اليوم ينتمون إلى جيل «لم يعرف الذلّ ولا الاحتلال. لم يرَ كيف أدخل الإسرائيليون الكلاب إلى الجوامع، وكيف جمعوا الناس عند البحر وأذلوها».
والحلّ؟
اليوم، وللأسبوع الخامس على التوالي، تقفل صيدا طريقها الدولية مجدداً.
فارق كبير بين الحدثين. أو كما يقول أحد أبناء المدينة «بعيد الشبه والتشبيه». صيدا التي انتفضت قبل 37 عاماً حزناً على بطل من أبطال المقاومة، تجد نفسها اليوم عاجزة أمام اعتصام يشلّ حركتها، للمطالبة بسحب سلاح المقاومة.
فشل الدعوة إلى الإضراب، الذي كان مقرّراً اليوم، كان بمثابة الضربة القاضية. لم يتردد أحدهم في القول إثر الاجتماع الذي شهدته البلدية صباحاً «لقد تحولت صيدا الوطنية إلى صيدا السنية». كان الأخير يراهن على إضراب، يتضمن بيانه عبارة «لا للفتنة»، ولا يكتفي بالتحذير من التداعيات الاقتصادية التي تهدّد التجار. إضراب يرفض خطاب الشيخ أحمد الأسير، وليس أثر تحرّكه على اقتصاد المدينة. لكن فاعليات صيدا فشلت في تحقيق ذلك. منهم من يردّ الأمر إلى أن سياسييها يعملون وهم يضعون انتخابات 2013 نصب أعينهم، ومنهم من يؤكد وجود تواطؤ بين الأسير و«تيار المستقبل»، فيما يرى المتشائمون أن صيدا تحوّلت. وأن خطاب الأسير بات يرضي أبناءها. كيف لا، وعدد من أبناء المدينة يؤكد سماعه تبريرات الأسير المذهبية لتحرّكه على لسان نائبي صيدا.
ينفعل ابن صيدا، الستيني، وهو يطرح السؤال على أصدقائه: هل هناك تاريخ في العالم يطير؟
لم يطرح هذا المناضل العتيق السؤال من فراغ. ولم تكن الجلسة التي دارت في أحد مكاتب صيدا أول من أمس، ترفاً فكرياً. التطورات الحاصلة في المدينة لا تسمح بهذا الترف. هنا، التوتر يخيّم على الجميع. والإشكالات التي تقع تنذر كلّ يوم باحتمال اندلاع شرارة حرب جديدة. وبين اتصال وآخر لاستقاء المعلومات عن تحرّكات فاعليات المدينة تحضيراً لاجتماع البلدية أمس، يعدّد محدّثونا مفاصل أساسية من تاريخ عاصمة الجنوب. لم يكتفوا بالتاريخ الحديث الذي عايشوه، وكانوا فيه من المناضلين الذين حفظوا لصيدا هويتها القومية والمقاومة التي عرفتها على مدى قرون. عادوا إلى عهد السلطنة العثمانية، وتذكروا كيف كانت المدينة مساحة للحوار، يأتي إليها المثقفون من مختلف المناطق، ويتناقشون في مطبعة العرفان الشهيرة التي كان يديرها الشيخ أحمد عارف الزين. وكيف خرج أبناؤها لاستقبال الملك فيصل الأول الذي قاد مع والده الشريف حسين «الثورة العربية الكبرى» للانفصال عن الحكم التركي. وكيف شهدت شوارعها تظاهرات ضد الانتداب الفرنسي، سقط فيها عدد من الشهداء. كما سقط الشهداء في معركة ميسلون الشهيرة التي التحقوا بها. أما فلسطين فكانت البوصلة منذ عام 1936، إذ شارك الصيداويون في ثورتها آنذاك، ثم في معركة المالكية عام 1948. واستمرّت المدينة تقدّم الدعم للمقاومين وتنقل إليهم السلاح، حتى انخرطت هي نفسها في العمل المقاوم مع الاجتياح الإسرائيلي عام1982، وحققت الانسحاب الإسرائيلي الأول في عام 1985 بعدما شهدت شوارعها نحو 40% من عمليات المقاومة العسكرية ضد قوات الاحتلال. وكان الشهداء الذين سقطوا في المدينة ينتمون إلى مختلف الطوائف اللبنانية، ومختلف الانتماءات. وعلى مدى كلّ هذه السنوات، كانت صيدا حاضنة الجميع. «أبناء الجنوب» كما يسمّونهم، وأبناء جزين. الاستثناء الوحيد، كان الاشتباكات التي وقعت في قرى شرقي صيدا بعد الانسحاب الإسرائيلي.
يتوقف محدّثونا قليلاً عند هذا التاريخ. ففي عام 1985، حصل أمر غريب في المدينة، مع محاولات تأسيس «جيش الكنَيسات»، الذي انخرط فيه عدد من قدامى الجيش. التجربة التي لم تنجح، كانت مؤشراً على الحاجة إلى وجود قوة سنية، على غرار بقية القوى الطائفية الأخرى التي كانت قد نشأت في لبنان. وقد أثبت فشلها أن صيدا تبقى الاستثناء اللبناني، الذي حافظ على الهوية الوطنية المقاومة حتى وقت متأخر!
هل يصبح كلّ ما سبق في ذمة التاريخ؟
سؤال مطروح بقوة اليوم. ذلك أن اعتصام الشيخ الأسير، والإشكالات التي رافقته، تهدّد هذه الهوية التي تفاخر بها صيدا. المدينة التي يقصدها اللبنانيون، وخصوصاً في شهر رمضان، تكاد تكون فارغة. حالها، حال القطط الناعسة في أحياء المدينة القديمة. هنا، يمارس الفقراء حياتهم الطبيعية. يعدّون لوجبة الإفطار بما تيسّر، يشكون الهمّ الاقتصادي، وغياب أهل بيروت والجنوب والإقليم عن المقاهي التي اعتادت اجتذابهم إليها منذ عام 2004. مقاه جذبت إليها أيضاً أبناء «صيدا الجديدة»، التي قامت مكان البساتين، فعرّفتهم إلى مدينة كبروا بعيداً عنها.
لكن الوضع مختلف هذا العام. والمدينة التي لم يعبرها رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى المصيلح منذ بداية شهر رمضان، كما يقول الشيخ الأسير لـ«الأخبار»، معتبراً هذا أحد إنجازات اعتصامه، لم يدخل مقاهيها أيضاً أي غريب عنها، بالإضافة إلى تراجع إقبال الصيداويين أنفسهم عليها.
غير بعيد عن هذه المقاهي، يقع محل أبو علي السكافي الصغير لبيع الدخان. «الحمد لله على السلامة» هي العبارة التي تتردد على لسان كلّ من يمرّ به، أو يقصده لاستنكار ما تعرّض له قبل أيام عند الأوتوستراد البحري. ابن صيدا الذي قاوم الاحتلال الإسرائيلي وفق استطاعته يبدو غير قادر بعد على تجاوز ما حصل معه. تغزو الدموع عينيه كلما أجاب «الله يسلّمك». أما عندما نسأله: «هل أنت خائف على صيدا؟». ترتجف يداه، تنتفخ وجنتاه، ويبكي. «الفتنة يا عمي. الفتنة» يقول الرجل. لا تفسير برأيه لما يحصل في صيدا اليوم إلا أن المعتصمين اليوم ينتمون إلى جيل «لم يعرف الذلّ ولا الاحتلال. لم يرَ كيف أدخل الإسرائيليون الكلاب إلى الجوامع، وكيف جمعوا الناس عند البحر وأذلوها».
والحلّ؟
بالنسبة إلى الشيخ الأسير، هو لا يحتاج إلى أكثر من تعهد من رئيس الجمهورية بأن موضوع السلاح سيبحث بجدية. أما بالنسبة إلى المناضل العتيق، فالأمر ليس معقداً. يقول يائساً: ليت السيد حسن نصر الله كان سنياً، لكان الزعيم القومي العربي الأول.
أخبار ذات صلة
سلام "كفانا مغامرات عبثية في خدمة مشاريع ومصالح اجنبية
2026-05-15 10:59 م 67
مسؤول أميركي: اليوم الأول من المحادثات اللبنانية-الإسرائيلية إيجابي
2026-05-15 04:42 ص 75
من الطائرة إلى "الغرف المحصنة".. ما تكلفة زيارة ترامب للصين؟
2026-05-14 07:10 م 126
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
في عيدهم… تحية لملائكة الرحمة للممرضين والممرضات من مركز لبيب الطبي
2026-05-14 11:45 ص
2030… سنة الخلاص البيئي لصيدا أم الكارثة الكبرى و نسترجع الارض البلدية
2026-05-13 08:23 ص
زاروب طل وارجع في صيدا.. ذاكرة لا تنسى
2026-05-07 10:29 م
أبو مرعي… مهندس التحالفات أم صانع التوازنات؟ قراءة في دوره السياسي
2026-04-30 05:14 ص
د سمر البقاعي عيد العمال… تحية إلى الأيدي التي تبني رغم الأزمات
2026-04-30 05:11 ص
د. محمد حسيب البزري وعقيلته هالة عاصي… حين يصبح العطاء أسلوب حياة

