وسـام الحسـن شـهيداً ... والسـلم الأهلـي فـي خطـر
التصنيف: سياسة
2012-10-20 10:39 ص 1998
غداً، لن يشبه الأمس. اغتيال وسام الحسن، لن يكون عابراً. سينقل لبنان، من حقبة انتظار الأسوأ، إلى العيش في أسوأ المخاطر وأفدحها. اغتياله، الشبيه إلى حد كبير باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أدخل لبنان في المجهول السياسي والأمني والمذهبي، بلا كوابح أو ضوابط.
الأمن الذي كان ما زال ممسوكاً ولو بهشاشة، قد يفلت من عقاله، ولنا في الساعات الأخيرة الكثير من العينات، في ظل انقسام سياسي خطير، يزداد يوماً بعد يوم، على وقع نزاعات داخلية، وأزمة سورية متفجرة، وقضايا دولية، شديدة الصلة بقرارات مجلس الأمن والمحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
وكالعادة، فإن الخوف أن يجر التوظيف السياسي للجريمة الى الدخول في المجهول. ولقد تبدى الفرق واضحاً بين اتهام الرئيس سعد الحريري «بشار حافظ الأسد» وبين الاتهام ذاته الذي ساقه وليد جنبلاط وإن اشترط حصر الرد بالسياسة.
رجل الأمن الذي «كان يعرف أكثر مما يجب»، لم يكن شخصية عابرة. لم يكن موظفاً برتبة، بل كان ناسج خيوط. مكتشف عوالم. حرفياً بامتياز، لاعباً مدركاً لتأثير الأمن والمعلومات على السياسة اللبنانية وربما على سياسات الإقليم. ولأن لبنان، كان منقسماً ومنشطراً منذ اغتيال الحريري، فقد حسبه فريق سياسي على «فريق 14 آذار».
الأمني الأول، الإشكالي، «المطوَّب» من فريق و«المطلوب» من فريق آخر، لم يكف يوماً عن العمل. إنجازاته تفوق إخفاقاته. لعل مقتله بهذه الطريقة، دليل على إخفاقه في حماية نفسه. بعدما نجح مراراً في إنقاذ البلد من خلال مساهماته في اكتشاف شبكات التجسس الإسرائيلية، و«الرسائل» الإقليمية الملغومة.
الرجل الذي كان يعرف، ترك اللبنانيين على مفترق لا يعرفون معه إلى أين هم ذاهبون. من يستطيع غداً أن يوقف هجمة الانفعالات وسيل الاتهامات التي قد تطال أطرافاً داخلية، كما ألمح بعض قادة السياسة في لبنان؟ من يستطيع أن يلم الشارع الملتهب بالغضب والانتقام والاتهام؟ من بإمكانه أن يغلق أبواب الجحيم التي فتحت أبوابها في أكثر من مدينة وبلدة وحي وشارع من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب مروراً بالعاصمة والبقاع والجبل؟
ما من قوة في لبنان، قادرة على لجم التدهور ووقف التداعيات، إلا اذا ظل الاستقرار مطلباً دولياً وإقليمياً، لعل «حزب الله» أكبر حماته، بوصفه القوة
القادرة من جهة، والمقتنعة بالتواضع والحماية والتحصين الوطني، من جهة ثانية.
الحكومة المتحصنة بعقيدة الحفاظ على الاستقرار، والتي تعتبر الاستقرار مرجعيتها الأكيدة، باتت اليوم أمام السؤال الكبير: أي استقرار سيصمد، بعدما تمكنت يد الإجرام من رسم خطة اغتيال محكمة، أودت بالاستقرار، وأخذت لبنان إلى الخوف الكبير؟
أي حكومة وأي موالاة وأي معارضة تقدر على الإمساك بخيوط الحوار الواهية، لنسج حالة أمنية جديدة؟ وهل ما زالت مواعيد طاولة الحوار صالحة؟
التجربة اللبنانية مع الاغتيالات أسست لحياة سياسية قائمة على الشكوك والاتهامات، وعلى المنازلات اليومية، بلغة الوعيد والتهديد، وهي اللغة التي تسبق مواعيد العنف.
لم يعد لبنان مثلما كان في الشهور الأخيرة، منكشفاً أمنياً في مناطقه الحدودية المتاخمة لخطوط التماس السورية اللبنانية، ولقد دفع اللبنانيون ثمن ذلك ضحايا وشهداء وأرزاقاً. وكان أمنه الداخلي رخواً، يتفاخر أهل الحل والربط فيه بما يرتكب في طرقاته وبعض مناطقه من خروق وخطف وتقطيع أوصال.
اليوم، بات لبنان منكشفاً بالكامل.
[[[[
لبنان بات منكشفاً.. وللجريمة وظيفة، مثلما كان لكل جريمة سياسية وظيفتها منذ ثماني سنوات حتى يومنا هذا.
ولعل وظيفة هذه الجريمة لا تشبه في ظروفها، إلا جريمة اغتيال الرئيس الحريري.
نعم، فقد سقط الحريري شهيداً، يوم أقصى نفسه أو أقصي عن السلطة، فكان الاستشهاد قوة دفع جعلت عمر كرامي يستقيل من رئاسة الحكومة، مع ارتفاع أول صوت في مجلس النواب منادياً باستقالته، لتكر بعدها سبحة انهيار «سلطة الوصاية» و«أجهزتها» اللبنانية!
لم تنفع كل إبر الدعم السياسي من «8 آذار» وامتدادها الإقليمي في ثني عمر كرامي عن عناده بالاستقالة، ومن بعده سقوط الأجهزة، قبل أن يُرمى قادتها في غياهب السجن لأربع سنوات.
انتقلت السلطة السياسية من يد «الفريق السوري» الى يد «فريق وسطي»، بقيادة نجيب ميقاتي، مظللا بدعم عربي ودولي يفوق الدعم الحالي. كانت المهمة محددة: «الانتخابات الآن» وهي العبارة التي لطالما رددها كل من جيفري فيلتمان وبرنار ايمييه طيلة أسابيع سبقت الانتخابات النيابية التي نقلت لبنان من مقلب سياسي الى مقلب جديد.
تقدم الى الواجهة الأمنية والقضائية تحديداً، فريق جديد، كان الضابط وسام الحسن أحد أبرز عناوينه اللاحقة. حارس رفيق الحريري وظله لسنوات طويلة، صار حارساً للهيكل السياسي الجديد، بكل امتداداته الإقليمية والدولية، الســياسية والاستخباراتية.
هذا سرد يقود للاستنتاج الآتي: لا وظيفة سياسية للجريمة إلا ما كشفه بيان منتصف الليل الذي أصدرته «قوى 14 آذار» من «بيت الوسط»: اتهام نجيب ميقاتي شخصــياً، وهو المتباهي بسنيته، أكثر من عمر كرامي، ومطالبته بالخروج من «السرايا» ومعه حكومته...
المطلوب من ميقاتي أن يستقيل اليوم قبل الغد. هذا هو لسان حال «فريق 14 آذار»، لكن لعله سها عن بال هذا الفريق، أن ميقاتي في هذه اللحظة السورية والإقليمية والدولية، هو عنوان لاستقرار لبناني ممنوع مسه طالما أن الأولوية هي للأزمة السورية، بكل تداعياتها المحتملة، وهي غير محدودة، من دون إغفال حقيقة أن من حمى وسام الحسن وأشرف ريفي وسعيد ميرزا هو نجيب ميقاتي وليس «عضلات» معارضيه.
[[[[
نعم هي جريمة لا تشبه بردود فعل الشارع كل الاغتيالات السابقة، ما عدا جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
بعد جريمة الحريري، وقعت جرائم سياسية كثيرة، وبعدها كلها، لم ينزل الناس الى الشوارع في كل لبنان ولم تقطع الطرق ويطلق الرصاص ويتوافد الشباب الى ساحة الشهداء. هذا وحده يحصل مع جريمة اغتيال وسام الحسن. هذه وظيفة للجريمة، بأن تستدرج الفتن: الفتنة السنية ـ السنية، السنية ـ العلوية والسنية ـ الشيعية وأن ترتفع الجدران بين لبنان وسوريا أكثر فأكثر. كيف لا، وسوريا اليوم ضعيفة أكثر مما كانت ضعيفة في العام 2005 ولذلك، لن يكون مفاجئاً أن ينادي البعض، ليس في «14 آذار»، بل في مجلس الوزراء، بقطع العلاقات اللبنانية السورية وطرد السفير السوري وسحب السفير اللبناني من دمشق وإصدار مذكرات توقيف بحق بشار الأسد وعلي المملوك وبثينة شعبان الخ!
نعم للجريمة وظيفة سياسية، والمتضرر الأول هو الدولة. وسام الحسن ليس ضابطاً يخص طائفة أو حزباً ولا هو تصرف على هذا الأساس برغم ملاحظات كثيرين عليه. لقد لاحق الرجل وفريقه حوالي مئة شبكة استخباراتية إسرائيلية في لبنان، ليصبح صاحب السجل الأنصع بين كل قادة الأمن في لبنان والمنطقة ممن يجعلون إسرائيل تدفع ثمناً غير مسبوق في حروبها الأمنية مع العرب؟
من يعرف وسام الحسن، ورفيقه الدائم أشرف ريفي، يدرك أن هذين الضابطين تصرفا من منطلق وطني بحت، وليس بفعل إملاءات خارجية أو حزبية.
نعم وسام الحسن ومن قبله وسام عيد وفرنسوا الحاج هم شهداء لكل اللبنانيين وليسو ملكاً لفريق دون سواه، مع التقدير لشهادة كل القادة الشهداء من دون استثناء.
للجريمة وظيفة. أن تستقيل الحكومة ويقع البلد في فراغ تصريف الأعمال مقدمة لتطيير الانتخابات النيابية، فمن هو صاحب المصلحة في ذلك، ومن يعتقد أنه في ظل الواقع السياسي الحالي، يمكن أن تتشكل حكومة انتقالية كما يتوهم البعض لحسابات ثأرية مع ميقاتي أو حباً بالسلطة.
للجريمة وظيفة، فإذا كان المطلوب من قتل وسام الحسن، طي صفحة أمنية، فإن الشهيد كان جزءاً من مؤسسة ما زالت صامدة وثابتة القدمين، وها هو مديرها العام اللواء أشرف ريفي يتمسك بحق «فرع المعلومات» في أن يحقق ويلاحق المجرمين. قال ريفي «لن نستسلم ولن نتراجع، ولن نترك البلد مكشوفاً لمن يريد العبث باستقراره».
فقد علمت «السفير» أن تمويهاً أمنياً ـ إعلامياً نفذته المديرية، من خلال توزيع خبر إعلامي يفيد بأن ريفي والحسن ووفداً أمنياً توجهوا إلى برلين، بغية مقابلة رئيس مكتب الشرطة الفدرالية الألمانية للشؤون الجنائية يوركي سلكي.
وفيما تضمّن الخبر الرسمي، الذي عمّمته المديرية على وسائل الإعلام، قبل ثلاثة أيام، أن الزيارة «تمتد أياماً عدة»، إلا أن اللقاء كان قد عُقد سلفاً، ثم وصل ريفي إلى لبنان فجر أمس من دون الحسن، وكان ثمة «هامشاً أمنياً للحسن، من جهة الوقت، يصل إلى مدة أسبوع، يستطيع خلاله التنقل بسلام إلى حد ما»، وفق مرجع أمني.
ولمّا وقع الانفجار، كان ريفي يعتقد أن الحسن موجود في فرنسا، بينما كان العميد الراحل قد وصل لبنان الساعة السابعة من مساء أمس الأول، عائداً من منزل عائلته في فرنسا التي قصدها من برلين، علماً أن الاتفاق «الأمني» مع ريفي كان يقضي بعدم توجهه إلى لبنان قبل أسبوع.
غير أن «الثغرات الأمنية موجودة في كل الأجهزة الأمنية في العالم»، وفق ما قال ريفي لـ«السفير»، كاشفاً أن «التعرّف إلى الحسن لم يكن من خلال جثته، إذ أنه تحوّل إلى أشلاء، بل من خلال جزء من مسدسه الحربي، وجزء من البندقية، وجزء من هاتف مرافقه الخلوي، ثم حسمت ساعة يد الحسن الأمر».
وقال ريفي إن «المعطيات الأولية، وهي غير مؤكدة مئة في المئة، تشير إلى أن زنة المواد المتفجرة في السيارة المفخخة تراوح بين 60 و70 كيلوغراماً من TNT».
وكان الحسن، وفق مصدر أمني، خارجاً من منزل سرّي في الأشرفية، بسيارة من طراز «هوندا ـ أكورد»، متوجهاً إلى مكتبه، وبرفقته مرافقه أحمد صهيوني، علماً أن تنقلات الحسن الأمنية لا يعرف تفاصيلها، من جهة العدد وكيفية التنقل، أي ضابط في المديرية، حتى رأس الهرم، أي ريفي، «لأنني لا أسأله عن الأمر، فهو عقل أمني وتسيير مواكبه أمر شخصي».
وحرص ريفي على عدم توجيه اتهامات سياسية، انطلاقاً من أن «موقعي لا يسمح لي بالاتهام السياسي، فأنا رجل أمن أترأس مؤسسة أمنية تُعنى بأمن المواطنين جميعاً، من كل الطوائف والسياسات والانتماءات».
مع ذلك، قال ريفي إن الفرضيات الأمنية ـ السياسية قائمة، وفق الترتيب التالي: «1 ـ أن يكون الاغتيال رداً على توقيف ميشال سماحة. 2 ـ طابور خامس يهدف إلى إحداث فتنة وكشف البلد أمنياً. 3 ـ أن يكون الاغتيال رداً على توقيف الحسن شبكات التجسس الإسرائيلية. 4 ـ أن يكون رداً على كشف الحسن الشبكات الإرهابية».
وأشار ريفي إلى أن «الفرضيات كلها واردة، لكننا الآن نبحث عن أدلة حسّية، تخــوّلنا معرفة منفــذ الجريمة وأسبابها، إذ لا نستطيع من اليــوم الأول معرفة التفاصيل كافة، خصوصاً أننا نشهد صراعاً مفتوحاً». وعن الحسن، قال ريفي إن العمــيد الراحل «كان عــقلاً استراتيــجياً في الأمن، وهو خــسارة لقوى الأمن الداخلي والوطن، واستشهاده لن يثنينا عن المضي قدماً في واجبنا، مهما كانت التضحيات».
في الشارع المأساة
وجه الطفل المذهول كان يرنو إلى سيدة أربعينية تقف عند ناصية الشارع، تتلفتُ ذات اليمين وذات الشمال، عندما رأته يخرج من بين المباني الخمسة المتصدعة بسبب الانفجار، يحمله شاب من «الدفاع المدني». تخطت السيدة الحواجز المثبتة، وقفزت بين المصوّرين وعناصر الأمن صارخة: «هذا ابني، إنه ابني».
خلف الأم كان ثمة سيدة طاعنة في السنّ، تعانق رجلاً معفراً بالتراب، تربت على كتفيه، تعانقه ثم تقبّله متلمسة وجهه. الساعة الرابعة، وبعد مرور نحو ساعة على الانفجار، كان الشارع الرئيس المتفرّع من ساحة ساسين، مقفراً من قاطنيه.
في الشارع الذي خلا من سكانه، هم الذين أصيبوا بالانفجار فسُحبوا إلى المستشفيات، تجلّى الرعب فيه بهول الدماء وهاجس أساس: «ماذا يحدث لنا؟ ماذا يجري، ولماذا نحن؟»، كان يسأل سكان الأشرفية الذين هرع بعضهم إلى الاطمئنان على جيرانهم، فلم يجدوا أحداً.
لم يكن خبر اغتيال الحسن قد انتشر بعد. حتى أن مراسلي وسائل الإعلام المرئية كانوا يؤكدون عدم استهداف أي موكب، سواء سياسي أم أمني، إلى أن أعلنت وكالة «رويترز» الخبر، بعد مرور نحو ثلاث ساعات على الانفجار.
قبل إعلان خبر الاغتيال، كان الخوف من الغد يدور في حلقة مفرغة، توجس من «الخروج إلى أي مكان هنا في الأشرفية» كان يقول سكان المنطقة، انطلاقاً من أن الانفجار «هو بداية الرسائل السياسية التي نحن ضحاياها. الآن بدأ ينتقل الوضع السوري إلى هنا».
لكن ما إن شاع نبأ الاغتيال، حتى بدا الخوف في خانة أخرى، في حلقة يعرفها اللبنانيون إذ اعتادوها: اغتيالات سياسية. خانتان تعودان بالدماء ذاتها، فالأشلاء تبقى أشلاء، والجثث جثث، والجرحى أجساد مبتورة، والخوف رعب مزروع في كل مكان.
الشاب المتطوّع في «الدفاع المدني» يجلس محاولاً أخذ قسط من الراحة. يضرب كفاً بكف قائلاً: «الله ستر، لو أن السيارة كانت مركونة بين المباني الخمسة، في الداخل، لم يكن ليخرج أحد من أي مبنى على قيد الحياة».
يقول إن رجلاً سبعينياً كان يعدو بين شباب «الدفاع المدني»، باحثاً عن حفيدته، ولما «رآني أحملها، اقترب مني باكياً، وطلب مني أن يحملها، أن يتلمسها. كان المشهد مرعباً، رجال ونساء يركضون، النسوة يبحثن عن أولادهن، والرجال يصرخون كيفما اتفق. لكن الحمد لله، لا يوجد أنقاض. لا يوجد مفقودون».
شيئاً فشيئاً راح السياسيون يتوافدون إلى الشارع المأساة. كلٌ منهم كان يتحدث عن «الرسالة السياسية». لم يكن خبر الاغتيال قد شاع بعد. نواب، وزراء، ضباط، الجميع في الشارع. ثمة مواساة وحديث إنساني عن الضحايا، وثمة تصريحات تسأل عن المستقبل، وذنب «هؤلاء في أن يكونوا هم الصندوق الذي تُنقل عبره الرسالة».
جريمة الأمس، قبل شيوع نبأ استشهاد الحسن وبعده، لا تُصنّف إلا في خانة الجرائم التي تنذر لبنان بنفق ضبابي قاتم.
غادر وسام الحسن ولن يأتي بعد اليوم الى الطبقة السادسة في المديرية العامة لقوى الامن الداخلي، حيث كان مكتب من يعتبر الشخصية الأمنية الأقوى في لبنان. وهنا كان يوصل فيه نهاره بليله. ولطالما احتضن هذا المكتب، وحتى الأمس القريب جداً، شخصيات وسياسيين من كلّ الاشكال والألوان على ضفتي 8 و14 آذار وما بينهما.
كان يدرك أنه ليس ضابطاً عادياً، وهذا ما يتطلبه موقعه على رأس ما كان يعتبره اهم جهاز أمني كان يصرّ على تسميته «شعبة المعلومات»، وليس «فرع المعلومات»، فهذه التسمية مزعجة له، وخطأ كبير، كان يسارع عند الوقوع فيه الى مقاطعة محدثه لتصحيح هذا الخطأ قبل إكمال الكلام: «إنها «شعبة المعلومات» وليس فرع المعلومات».
لم يعتقد وسام الحسن يوماً من الأيام أن موقعه محل إجماع، وذلك بسبب الدعاية التحريضية التي كان ينظمها بعض السياسيين، ومع ذلك كان يردد امام بعض محادثيه: «أنا أدرك اكثر من غيري اهمية شعبة المعلومات، وحساسية الدور الذي تقوم به على كل الصعد، وليقولوا ما يريدون، وسواء اعجبهم ما نقوم به ام لم يعجبهم سنستمر فيه طالما نحن مقتنعون اننا نقوم بما يخدم مصلحة البلد»، ولعل اسعد ايام حياته كان توقيف فايز كرم بعد كشف تعامله مع الاسرائيليين. وأما إنجازه الأكـبر فكان توقيف ميشال سماحة.
في الآونة الاخيرة، لم ينف أمام محدثيه أن اسمه مدرج على لائحة الاغتيال، هو وغيره، ولقد وزع نصائحه بتوخي الحيطة على كثير من السياسيين من وليد جنبلاط، الى سامي الجميل، الى فؤاد السنيورة، كما انه هو واحد من الذين نصحوا الرئيس سعد الحريري بمغادرة لبنان واتخاذ الاحتياطات اللازمة، وأما هو فكان مسكوناً بالحذر واليقظة وأعاد برمجة تحركاته بعيداً عن الأعين وأخفى مكان إقامته. وقد اسرّ منذ مدة الى بعض زواره وبجدية «هناك من أهدر دمنا، أنا و«اللواء» مستهدفان، ونحن كجهاز امني مستهدفون معنوياً وسياسياً وجسدياً وقد استهدفونا وقتلوا الرائد وسام عيد وآخرين، ليس لأننا لم ننفذ عملاً مسيساً منذ بدء مهمتنا، بل لأننا اخذنا دوراً أمنياً حقيقياً وحجماً أمنياً حقيقياً في البلد، كان ممنوعاً علينا من قبل.. هم يريدون قتلنا ونحن من جهتنا نأخذ احتياطاتنا، فهل نتركهم يقتلوننا». في تلك الفترة اعلنت قوى الامن عن إحباط محاولتي اغتيال كانتا تستهدفان اللواء ريفي والعميد الحسن.
ولأنه كان يعرف انه شخصية غير محبوبة في 8 آذار وحلفاء سوريا، لم يتوقف كثيراً عند الهجمات الشخصية والاتهامات التي كانت تطاله «مهما قالوا فإن الحقيقة مش هيك.. ولننتظر المحكمة الدولية». وأما السوريون فهم برأيه أخطأوا كثيراً وهم أوصلوا الأمور الى ما وصلت اليه، لقد غلطوا مع الرئيس الشهيد وغلطوا كثيراً مع الرئيس سعد وهم من أقفلوا العلاقة معه، وأنا شخصياً التقاني الرئيس بشار الأسد ساعتين وكنا على وشك أن نفتح الصفحة، وهم أقفلوها وأنهوها بممارساتهم»..
في احد اللقاءات الأخيرة معه منذ فترة قصيرة، قيل لوسام الحسن لماذا ترسلون السلاح الى المعارضة السورية فأجاب: ألا تلاحظ معي انهم يلصقون بنا كل الأعمال، ويتهموننا حتى باغتيال انفسنا، هم يجعلونني اصدق نفسي الى هذا الحد أنا قوي وقادر على إنجاز كل هذه المهمات؟.
من يعرف وسام الحسن عن كثب، يعرف انّ الجديّة التي تبدو عنوانه الكامل، تخفي تحتها شخصية مجبولة بالبساطة والهدوء، ولأنّ الرتب تذهب وتجيء، كان يفضّل أن تناديه «ابو مازن» باسم ابنه البكر مازن، ابن السبع عشرة سنة، الذي يكبر ابنه الثاني «مجد» بقليل. فللعائلة الأولوية، ولذلك كان يسرق زيارات خاطفة الى مقر إقامة العائلة في فرنسا لقضاء بعض الوقت مع زوجته التي هي ابنة عمه «انّـا» وولديه الذين اضطرته الظروف الامنية الى إخراجهم من لبنان وإبعادهم عن دائرة الخطر. وكثيرا ما تمنى لو انه يعيش كغيره حياة طبيعية بلا إجراءات او تخفٍ او مخاطر.
لم ينف يوماً ميله الى فريقه السياسي، بل لطالما قدم نفسه على انه من ضمن الحلقة الضيقة القريبة من الرئيس سعد الحريري: «أنا لا يمكن ان انسى فضل بيت الحريري علي». ولعل صورة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في صدر مكتبه تعبر عن هذا الاتجاه، والتي تعلو صورة للرائد وسام عيد وضعها وسام الحسن على طاولة مواجهة له. وكثيراً ما استشهد امام محادثيه بـ«العمل الكبير» الذي قام به الرائد عيد، «ولهذا قتلوه».
من قابله في الآونة الاخيرة أدرك أنه دخل منذ مدة في نظام تنحيف، إلا أن هذا النظام كان ليكون انفع وافعل لو تسنى له ارفاقه بممارسة هواية الصيد التي يحبها، وكثيرا ما مارسها مع صديقه القديم سليمان فرنجية، وبكثير من الفخر كان يتحدث عن حصيلة الصيد، ليس صيد العصافير بل صيد الوحوش ومنها الأسد الضخم المحنط الذي يضعه الى يمين مكتبه، والفهد المحنط الذي يضعه الى يساره.
وسام الحسن ابن الـ47 عاماً، من مواليد بلدة بتوراتيج – الكورة، برز بداية كمدير للمراسم في رئاسة الحكومة في عهد حكومات الرئيس الراحل رفيق الحريري، وبعد استشهاد الرئيس الذي اكتشف قدراته عُين رئيساً لفرع المعلومات في العام 2006 وكان برتبة مقدم آنذاك، اوكلت اليه مهمة توقيف الضباط الاربعة، كذلك تولى توقيف مجـموعة مسلحة تنتمي إلى تنظيم «القاعدة»، وفي العام (2007) نال المقدم وسام الحسن قِدماً استثنائياً لعام واحد، بعد توقيف المشتبه في ارتكابهم جريمة عين علق وتمت ترقيته إلى رتبة عقيد. ومن ثم تم ترفيعه الى عميد نظراً الى الانجازات التي حققها، ولا سيما في موضوع توقيف شبكات التجسس الاسرائيلية والجماعات الارهابية وكشف العديد من الجرائم التي تخص الشأن الداخلي اللبناني.
وقد اعتبر وسام الحسن، بعد ترفيعه الى رتبة عميد، من أبرز الشخصيات المرشحة لتولي منصب المدير العام لقوى الأمن الداخلي خلفاً للمدير الحالي اللواء اشرف ريفي بعد إحالته إلى سن التقاعد عام (2013).
آخر ما تلقاه وسام الحسن، منذ مدة قصيرة، تنويهاً من اللواء اشرف ريفي جاء فيه: «الحسن ضابط عام ذكي ومقدام، ثابر منذ توليه رئاسة الشعبة على بذل الجهود الحثيثة وإعطاء الأوامر والتوجيهات المناسبة لمرؤوسيه، والإشراف على تنفيذها بالدقة المطلوبة وبشكل احترافي، لا سيما في مجال مكافحة الجرائم الارهابية، وقد أدى ذلك الى تفكيك اكثر من ست وثلاثين شبكة تجسس تعمل لمصلحة العدو الاسرائيلي، بالإضافة الى كشف هويات عدد من المخططين لارتكاب اعمال ارهابية بهدف زعزعة الامن والاستقرار في البلاد، كان آخرها كشف مخطط خطير لزرع المتفجرات وتنفيذ الاغتيالات في منطقة لبنان الشمالي، وتوقيف الرأس المدبر وإقامة الدليل على تورطه، وضبط كمية كبيرة من المتفجرات والعبوات الناسفة، ومبلغ كبير من المال كان مخصصاً لتسهيل عملية التنفيذ، مما أدى الى إحباط هذا المخطط الارهابي وتجنيب البلاد خطر الانزلاق في فتنة طائفية ومذهبية، فأعطى عمله صورة إيجابية ومشرفة عن قوى الامن الداخلي في مجال تأدية مهماتها، لا سيما في مجال مكافحة الجرائم الارهابية، وراكم من انجازات الشعبة وتضحياتها ما جعلها محط تقدير واحترام لدى الرأي العام والرؤسـاء على المستويات كافة، مدللا عن نهجه سلوك شجاع وحكيم وتمتعه برؤية استراتيجية في أدائه لمهماته، فاستحق التقدير».
مئات المشاهد المتتابعة، لأشخاص على عجل، يمشون في كل الاتجاهات، إلى المنازل، إلى الأعمال، إلى الجامعات، إلى المقاهي. أناس يتحركون، يتحدثون، يضحكون، وعما قليل.. كلهم سيهلعون.
هذا يوم غير عادي في منطقة الأشرفية: صوت انفجار ضخم يهز المنطقة. المشاهد المتتابعة قلبت رأساً على عقب، الناس يركضون في كل الاتجاهات. لا أحد يعرف فعلا أين يذهب، كيف يهرب.
الثانية والثامنة والأربعون دقيقة، يقع الانفجار الهائل في شارع إبراهيم المنذر، مستهدفاً رئيس شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي العميد وسام الحسن. شارع المنذر فعلياً هو ذلك الشارع الصغير الذي لا يتعدى طوله المئتي متر، تماماً خلف مبنى البريد في ساحة ساسين في الأشرفية، وبمجرد أن فتحت بوابة موقف «مصرف بيمو» في ساسين، حتى ظهرت المباني المدمرة في شارع المنذر. ويعتبر هذا الشارع الرابط بين طلعة أديب إسحاق بساحة ساسين (تحديداً بالشارع المتوجه نزولاً باتجاه «مستشفى أوتيل ديو»).
ويتقدم شارع إبراهيم منذر، «صفاً» من المباني الأساسية في ساحة ساسين، من مبنى «مصرف الاعتماد» الذي تضررت طبقته الأولى، وسرعان ما راح الموظف المختص يتخذ المقاسات اللازمة لينجز واجهة زجاجية للمصرف. إضافة إلى أضرار في مبنى «أسيكو» (الأقرب إلى الانفجار) ومبنى منصور، ومبنى الصائغ ياسيان ومن ثم البريد. ويشكل هذا الأخير ومبنى ساسين المقابل له (حيث «مصرف لبنان والمهجر») المدخل الأساسي لشارع المنذر.
إنما الأضرار لم تطل المباني الملاصقة لمكان الانفجار فحسب، بل طالت حتى تلك المقابلة في ساحة ساسين، حيث ملأ الزجاج المتناثر كل الطرق المحيطة وكأن هزة أرضية مرت من هنا. كيفما التفتَّ كان هناك من يكنس أو يجرف زجاجاً ثقيلاً عرّى واجهة متجره أو منزله. وبقيت ألواح الزجاج المتكسر تتناثر بشكل «عفوي» فوق رؤوس المارة حتى ساعات المساء، وكاد أحد الشبان أن يُقتل فوراً جراء لوح زجاجي وقع من أحد مباني أديب إسحاق حيث المدخل الأيسر لشارع إبراهيم منذر.
هنا، في شارع أديب إسحاق، اختفت واجهات متجر الألبسة «بلو أس» الذي يعود إلى العام 1988 ويقع تماماً عند زاوية شارع المنذر. ناجي يزبك، صاحب المتجر يراقب خسائره التي يقدرها بعشرة آلاف دولار. لا يملك الرجل ولا جاره فيليب عون، صاحب محل للحلاقة منذ العام 1968، الكثير ليقولاه. يهزان برأسيهما، ويجيبان على اتصالات كثيرة تردهما.
في تلك اللحظة التي وقع فيها الانفجار، كان جوني خليفة يقف أمام المدخل الثاني لمبنى البريد، ذلك المؤدي إلى «إبراهيم المنذر». يقول إن «قوة الانفجار دفعت بعض الناس ليظنوا أنه صاروخ، لا عبوة! كان كل منا يظن أن الانفجار، لشدته، وقع في المبنى الذي يقطنه أو يعمل فيه. جمدنا لثوان، ثم رأيت الناس يتدافعون، لا يعرفون في أي اتجاه يهربون. سمعتُ صراخ أمهات وكبار سن تخرج من شرفات المنازل. ورأيت موظفين من «مصرف بيمو» حيث الانفجار، يخرجون ويهرولون وإذا بهم يصابون بالأحجار المتساقطة، إضافة إلى إصاباتهم السابقة. ورأيت أطفالاً في طريق عودتهم من المدارس، يُجرحون جراء سقوط الزجاج المتناثر عليهم».
يقول شهود عيان إن سيارات الصليب الأحمر والدفاع المدني وصلت إلى الشارع في أقل من ربع ساعة فقط. كان المسعفون ينتشلون الجرحى والقتلى ويوزعونهم على المستشفيات. وكان أفراد العائلة الواحدة يصلون متفرقين إلى مستشفيات مختلفة، وفي الساعات الأولى ما كان أحدهم يعرف شيئاً عن مصير باقي أفراد العائلة. في «مستشفى أوتيل ديو»، تصل امرأة شبه غائبة عن الوعي تحمل ابنها الجريح في الخامسة من عمره. تبكي وتصرخ سائلة عن مصير ابنتها، تقول: «هذا ابني إنما لا أعرف شيئاً عن ابنتي، أين ابنتي يا رب؟». يتكرر المشهد في «مستشفى الروم»، هنا رجل يحاول على مدى أكثر من ساعتين الاتصال بأفراد عائلته. لا تسعفه الاتصالات المتقطعة، ولا حالته النفسية الهستيرية. يحاول أن يقنع أخته المغتربة أن أمهما بخير، يصرخ في وجهها مجسداً حالة ذعر هائلة منتشرة في المستشفى، مكرراً صلوات هامسة. وفي المستشفى، نداءان راح الناس يكرروهما: «يا رب نجنا»، و«يا عدرا دخيل اسمك». كان الناس يكررونهما كلما التقطتوا أنفاسهم.
خلال تقدم ساعات المساء، كان الذعر يتحول إلى حزن مفجع، وكانت عائلات أكثر من مئة جريح تحاول أن تستوعب هول المصيبة. وكان من نجا، يفكر أين سيمضي ليلته، إذ لم تخرج أي جهة رسمية أمس، لتعلن عن مساكن مؤقتة لسكان الأبنية المتضررة. هؤلاء راحوا يخرجون من بين الركام حاملين ما تيسر من أكياس أو حقائب، كالمهجرين الفارين من القصف.
وعلى بعد خطوات من مدخل الشارع، تربصت عشرات وسائل الإعلام المحلية والدولية بكاميراتها وسيارات النقل المباشر التي انتشرت في ساحة ساسين، وسدت الطريق المؤدية نزولاً إلى السيوفي. وعلى مقربة منهم، جلس الرواد اليوميون لساحة ساسين من العم متري فتح الله، وسليم أبو عاصي وجوني خليفة ورفاقهم، يراقبون خراباً أصاب مدينتهم. هؤلاء يلعبون الطاولة في هذه الساحة منذ أكثر من أربعين سنة، «يوم كان في الساحة بركة»، يقول أبو عاصي.. الرفاق ليسوا على طبيعتهم اليوم، لا مكان للعب الطاولة. ولا يوم غد. يقول العم متري: «يوم غد سنأتي، إنما لنواسي أهالي موتانا فقط».
أخبار ذات صلة
ترامب في توعد جديد لإيران: هدوء ما قبل العاصفة
2026-05-17 04:45 ص 60
العميد "السافنا": قوات الدعم السريع اتبعت أسلوب التصفيات
2026-05-17 04:43 ص 69
أبو مرعي: حملات التخوين لن تثنينا عن دعم الرئيس عون... ومع عفو شامل وعادل
2026-05-16 03:44 م 89
عند مدخل صيدا… صور الرئيس جوزاف عون تتحول إلى رسالة دعم وطنية
2026-05-16 12:53 م 96
سلام "كفانا مغامرات عبثية في خدمة مشاريع ومصالح اجنبية
2026-05-15 10:59 م 85
مسؤول أميركي: اليوم الأول من المحادثات اللبنانية-الإسرائيلية إيجابي
2026-05-15 04:42 ص 95
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
في عيدهم… تحية لملائكة الرحمة للممرضين والممرضات من مركز لبيب الطبي
2026-05-14 11:45 ص
2030… سنة الخلاص البيئي لصيدا أم الكارثة الكبرى و نسترجع الارض البلدية
2026-05-13 08:23 ص
زاروب طل وارجع في صيدا.. ذاكرة لا تنسى
2026-05-07 10:29 م
أبو مرعي… مهندس التحالفات أم صانع التوازنات؟ قراءة في دوره السياسي
2026-04-30 05:14 ص
د سمر البقاعي عيد العمال… تحية إلى الأيدي التي تبني رغم الأزمات
2026-04-30 05:11 ص
د. محمد حسيب البزري وعقيلته هالة عاصي… حين يصبح العطاء أسلوب حياة

