×

الشيخ سليم انيس سوسان *الهجرة النبوية 1434هـ

التصنيف: سياسة

2012-11-13  09:23 م  605

 

 *الهجرة النبوية 1434هـ*

 

الحمد لله وحده المعبود و المحمود، ذو الجلال والإكرام والأوصاف العظام، الذي لا تنبغي الرغبة والرهبة إلا إليه، ولا يصرف خالص الدعاء إلا له، جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ و الصلاة و السلام على نبينا و حبيبنا و سيدنا محمد عبد الله و رسوله المصطفى بالنبوة و الرسالة و التكريم وعلى آله و صحبه و التابعين و من إهتدى بهداهم إلى يوم الدين 

و بعد :
 

يطل علينا شهر الله المحرم لنستقبل معه عاما هجريا جديدا و نتذكر الحدث الإسلامي العظيم الذي قلب الموازين و غير وجه التاريخ البشري، إنه هجرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هذه الذكرى الكريمة تمثل مرحلة هامة وخطيرة في تاريخ وحياة الأمة الاسلامية.

هذه الذكرى كانت أعظم هجرة في التاريخ الانساني، لأنها كانت تنفيذا لأمر الهي لا بد من طاعته واحتمال المشاق من أجل تنفيذه و تحقيقه،

معلوم  أن الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم تعرَّض  في مسيرته الدعوية     للابتِلاء الشَّديد والمِحَن العَصِيبة؛ آذاه قومُه بكُلِّ أنواع الإيذاء، واستَخدَمُوا معه كلَّ ما استَطاعُوا لإخماد نور وحيِ الله، والقَضاء على دعوَتِه في مَهدِها،و عاشَ المسلمون المؤمنون الفَترةَ التي قضَوْها في مكَّة مُعذَّبين مُضطهَدِين، والكافرون لا يَرقُبون فيهم إلاًّ ولا ذمَّة، وليس لهم من ظَهْرٍ يَحمِيهم، ولا جَيْشٌ يُدافِع عنهم، ولا مَن يَذُبُّ عن بيضَتِهم، فكان لا بُدَّ من خَلاصٍ لهذا الاضطهاد المستمرِّ، وهذا النَّكال المُفظِع، فكانت الهِجرَة إلى المدينة لإقامة المجتَمَع الآمِن لهؤلاء المؤمنين تُمثِّل لهم ضَرُورةً مُلِحَّةً حتى يَعبُدوا ربَّهم في مَأمَنٍ من الكُفرِ وأهلِه.

لذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة الى المدينة , وكان النبى {رأى فيما يرى النائم أنه هاجر من مكة الى المدينة فعن أبى موسى الاشعرىرضى الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ)) أخرجه البخارى وخرج النبى بعد هذه الرؤيا مسرورا وقال "قدرأيت دار هجرتكم وهى يثرب, فمن أراد أن يخرج فليخرج إليها"...وقال " إن الله عزوجلقد جعل لكم اخوانا ودارا تأمنون بها " ...فخرج الصحابة رضوان ربى عليهم أرسالا إلىالمدينة فصاروا يتسللون ويخرجون من مكة مخافة بطش قريش لهم فيحولون بينهم وبينالهجرة فرارا بدينهم.

خرجوا تاركينَ الأرضَ التي وُلدوا فيها, والبلدَ الذي نشؤوا فيه, منخلعينَ من المالِ والأهلِ والولد, فما قيمةُ المالِ والأهلِ والولد حين تُهددُ العقيدةُ وتصادرُ الحُرية؟!

 

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتد الإيذاءعليه وأمعنت قريش في الظلم والتعدي والتعرض له فكانوا يمكرون به ليوثقوه صلى الله عليه وسلم أويحبسوه حتى يموت، أو ليقتلوه ويتخلصوا منه، أو ليخرجوه من مكة منفيًّا مطروداً، ولقد ائتمروا بهذا كله ثم اختاروا قتله، على أن يتولى ذلك المنكر فتية من القبائل جميعاً، ليتفرق دمه في القبائل، ويعجز بنو هاشم عن قتال العرب كلها، فيرضوا بالدية وينتهي الأمر ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ).

إنها صورة ساخرة وهي في الوقت ذاته صورة مفزعة، فأين هؤلاء البشر الضعاف المهازيل من تلك القدرة القادرة، قدرة الله الجبار، القاهر فوق عباده، الغالب على أمره، وهو بكل شيء محيط إذن عندما تتعارض ارادة الله عز وجل مع ارادة البشر تنقلب كافة الموازين وتطيش صنوف الكيد والمكر والخداع التي يتمتع بها الدهاة وتصبح هباء منثورا.

خرج النبي ومعه الصديق أبو بكر مهاجران الى الله تعالى وخلف في فراشه عليا رضي الله عنه ليؤدي الأمانات الى أهلها فلما اقتحم الكفار دار النبي صلى الله عليه وسلم ورأوا عليا قالوا: أين صاحبك قال لا ادري، فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل ومروا بالغار ولم يروا شيئا فرد الله مكرهم وصرف غدرهم عن نبيه حتى قال أبو بكر : يا رسول الله لو نظر أحدهم الى موضع قدمه لأبصرنا فقال النبي: يا أبا بكر لا تحزن ان الله معنا، يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما)

بعد أن مكثا في الغار ثلاثا خرج النبي ومعه الصديق يريدان المدينة فوقف صلى الله عليه وسلم على تل يخاطب الكعبة المشرفة قائلا :( والله انك لخير ارض الله واحب ارض الله الى الله، ولولا اني أخرجت منك ما خرجت)

فصبر على هجر بلده التي هي أحب الديار الى الله ورسوله وتحمل في سبيل دعوته المصاعب والمتاعب، لا ينثني امام التحديات مهما عظمت ولا يلين امام المغريات مهما كثرت، همه الأوحد إعلاء كلمة لا اله الا الله وحده لا شريك له ولا معبود سواه، وبناء دولة الاسلام التي تحكم بشريعة الله وتسوس العباد والبلاد بدين الله وتنشر العدالة والمساواة بين خلق الله مهما تعددت أطيافهم وتنوعت أعراقهم.

فاكرمه الله تعالى في المدينة المنورة برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه في بيعة العقبة الاولى والثانية فلم يغيروا عهدا ولم ينقضوا وعدا، بل ضرب الأنصار أروع الأمثلة في حبهم لاخوانهم المهاجرين فآزروهم ونصروهم وآووهم في بيوتهم وقاسموهم من أموالهم قال تعالى مادحا صنيعهم(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {9}‏الحشر

أفلحوا لما أحبوا الله ورسوله، وأحبوا أحبابه، وأحبوا من نصر دينه، فتميزوا بالإيثار طائعين منقادين، بذلوا الاموال في سبيل الله وابتغاء مرضاته، فنالوا رضى الله عنهم وخلد ذكرهم في القرآن الذي يتعبد المسلمون بتلاوته الى آخر الزمان

 
أيها الأخوة و الأبناء:
 
 

نودع عاما هجريا ونستقبل عاما آخر، عام مضى من أيام عمرنا وذهب من سني آجالنا، وأصبحنا الى الموت أقرب منه الى الحياة، فلنحذر من الأيام وتسارعها فإنها غرارة ، ولنحذر من الدنيا وزخارفها فإنها غدارة كم من مؤمل بلوغ آمال أصبح رهن القبور مدفونا وكم من مفرط في الأعمال أصبح بعدها مغبونا.

فلنغتنم فرصة حياتنا وشبابنا وفراغنا وصحتنا قبل أن نفقدها أو نفقد بعضها فنصبح من النادمين.

ولنتذكر أن الهجرة بمعناها الشرعي ليست مجرد انتقال من بلد الى آخر فحسب، بل هي هجرة عامة عن كل ما نهى عنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

هجرة من الذنوب والسيئات،
هجرة من الشهوات والشبهات،
هجرة من مجالس الفتن والمنكرات،
هجرة من المعاصي الى الطاعات،
عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال( العبادة في الهرج كهجرة الي)
الهرج = الفتن والقتل.

وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم ولا يرجعون الى دين فيكون حالهم شبيها بحال الجاهلية، فاذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه، ويعبد ربه ويتبع مراضيه ، ويجتنب مساخطه، كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية الى رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنا به متبعا لأوامره مجتنبا لنواهيه.

فلنشمر عن ساعد الجد في هذا العام الجديد ولنعلم أن العبد لن يبلغ درجة التقوى حتى يحاسب نفسه على ما قدمت يداه(الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الاماني) دَانَ نَفْسَهُأي حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

 ورضي الله عن الخليقة الراشد عمر بن الخطاب حيث يقول: حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا وزنوها قبل ان توزنوا وتأهبوا للعرض الاكبر على الله وَإِنَّمَا يَخِفُّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا) قال تعالى(يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ {18}الحاقة تعرضون على من يعلم خائنه الأعين وما تخفي الصدور على من  لا يخفى عليه شيء في الدنيا ولا في الاخرة.

قال أحد الصالحين: من حاسب نفسه قبل ان يحاسب خف في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه.

اسأل الله ان يجعل هذا العام الهجري الجديد عام خير وعز ونصر لامة الاسلام وان يجعل النصر حليفها وان يبدلها من عسرها يسرا ومن ضيقها فرجا ونصرا

انه سميع مجيب.
 
صيدا في 1 محرم 1434هـ

                15 تشرين الثاني 2012م.

                                                                  مقتي صــــيدا واقضيتها         
 

 

 
 

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا