×

مسرحية «المختار» و«الغريب» في كفــرذبيان

التصنيف: سياسة

2013-01-26  09:05 م  608

 

المصفّقون، ضاحكين، للمسرحيات الرحبانية إنما يصفقون لبشاعتهم ويضحكون على أنفسهم. هذه ليست مسرحية متخيلة؛ إنه واقع. «المختار»، هنا، حقيقيّ، و«الغريب» أيضاً. وحامي الحمى الكسروانية النائب السابق فريد هيكل الخازن وجموع الهاتفين في مسرحية لولو: «احكمها احكمها»

غسان سعود

يمكن التيار الوطني الحر ألا ينشئ حزباً ينتخب فيه المسؤولون انتخاباً بدل أن يعيّنوا بعيداً عن أية بنية حزبية. يمكنه ألا ينشئ جهازاً قادراً على التحرك في الظروف الطارئة. ويمكنه أن يتحالف مع بيوتات سياسية أكلت من لحم اللبنانيين وشربت من دمهم عقوداً. يمكن التيار أن يسكت عن البنية العائلية في مركزيته القيادية. ويمكن ألّا يتساوى ناشطوه في الفرص. يمكنه أن يحيي عظام النائب ميشال المر النيابية، ثم البلدية، وهي رميم. يمكنه أن يسلط الضوء على فساد مركزي ويتجاهل فساداً «ثانويّاً». يمكنه ألّا يعير اهتماماً للانتقادات الكثيرة لوزير الثقافة، وأن يقيل الوزير السابق شربل نحاس لتعارض مصالحهما، وأن يعلن عجزه عن تغيير الأمر الواقع في وزارة العدل. يمكنه أن يدخل في الدوامة الزبائنية الخدماتية والإنمائية الانتخابية، وأن يجاري غيره في المزايدات الانتخابية ويسبقهم. أما ما لا يمكن التيار الوطني الحر بلوغه، جراء تعبئته طائفياً ومزايدته مذهبياً، فهو ترك النائب السابق فريد هيكل الخازن يقوده، كما حصل أول من أمس.
تألف موكب الشيخ الصيداويّ أحمد الأسير من أربعة باصات كبيرة، اثنان للذكور واثنان للإناث، وسبع باصات متوسطة، تضم جميعها نحو 350 شخصاً، إضافة إلى سبع سيارات عائلية عادية. وعلى طريقة الرحلات التي تنظمها غالبية المدارس والمجالس البلدية والأحزاب إلى المرتفعات الجبلية هذه الأيام، علت أغانٍ «على ذوق المستمعين»، وشُغل الركاب بتصوير بعضهم بعضاً وجانبي الطريق التي يرونها للمرة الأولى. قلة قليلة من الركاب كانت تعلم بوجود بلدة تدعى كفرذبيان، وقلّة أقل كانت تعلم أن ما سيشاهدونه بالقرب من فقرا ما هو إلا مصيف ابن مدينتهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري. «رايحين على الثلج» يقول الأطفال، ويضيف بعضهم: «عند المسيحيين». الأمر الوحيد الذي كان يمكن وصفه بالاستفزازيّ، هنا، هو سبع سيارات دفع رباعي تقدمت اثنتان منها، بزجاج داكن، الموكب في ما يشبه المهمة الاستطلاعية، وثلاث تموضعت وسط الباصات واثنتان لحقتا بالموكب. لم يشرح الأسير حاجته إلى هذه المرافقة في ظل انتشار مئات العسكريين على طول الطريق. أما ردود الفعل فاقتصرت حتى استنفار «مختار كفرذبيان» على نكات فايسبوكية تتساءل عمّن سيزحّط مع الأسير. مع تركيز واضح من بعض الناشطين السياسيين على وجوب الاستفادة من هذه الفرصة النادرة لتعريف مجتمعهم، وخصوصاً من لم يغادروا كسروان يوماً، على حلفاء القوات اللبنانية الجدد.
غاب عن الأسير المطمئن إلى تبادله الإعجاب ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع أن لكسروان شيخها الأسيري الخاص، الذي جهد سابقاً، وفي مناسبات مختلفة، لبلوغ ما بلغه الأسير من شهرة إعلامية ووقاحة في التهديد وشطارة في تحويل نفسه من لا شيء إلى شيء. الشيخ فريد هيكل الخازن من هذه البلاد أيضاً. يقطع مختاره الكفرذبياني وسيم مهنا الطريق. في الموكب الأسيري، لا يعلمون طبعاً من هو فريد هيكل الخازن، وأنه حجر الزاوية في لائحة التحالف «الاستقلالي» بين رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والقوات اللبنانية. يفترضون، طالما كسروان عموماً وكفرذبيان خصوصاً وكذلك الإعلام وغالبية الرأي العام، أن عونيين من يقطعون الطريق. وفي الطريق، يرفض المختار وصحبه، في خطة ذكية، إعلام سائليهم بهويتهم السياسية: «نحن أبناء كفرذبيان». في ظل حماسة توحي بتغيير المختار عند «كوع» بلدته المعادلات الدولية و«استرجاعه حقوق المسيحيين» بقطع الطرقات. والتحرك، بحسب وصف المختار، سلمي، تماماً كسلمية تحرك البتغرينيين مرة لقطع طريق قرنة شهوان إلى منزل النائب السابق غبريال المر، وكما كان قطع الأسير نفسه لطريق صيدا الدولية سلمياً. لا يلبث المختار أن يوضح أن مشكلته ليست مع الأسير، لمواقفه التحريضية مثلاً أو مدرسته التكفيرية، إنما مشكلة المختار مع رفقة الأسير. يقول: «لا مانع لدينا في أن يمر الأسير، نرفض أن يمر الـ400 شخص الذين برفقته». لماذا؟ يسكت المختار. ليس أبداً لأن على كل طائفة أن تنتخب نوابها وتلعب بثلجاتها. «أنا منفتح» يقول المختار. أما عناصر الجيش فيتفرجون على قطّاع الطرق ويلاحقون كاميرات التصوير. وسرعان ما تكتمل المسرحية بحضور الخازن، محيطاً نفسه بعشرة مرافقين كالعادة. والتصريح الآن للشيخ فريد: «كسروان ليست منطقة سايبة». «يمكن الأسير أن يأتي كرجل دين مع عائلته لأهداف سياحية وترفيهية، إنما ليس بهذه الطريقة الاستعراضية مع مئات المناصرين». «معلومات وزارة الداخلية أن لا سلاح مع الأسير وأنصاره، أما معلوماتنا فتشير إلى تسلحه ومرافقيه». وأخيراً: «يريد أن يتزلج مع المسلحين بشكل استعراضيّ». وعليه، يتبين أن ثمة تزلجاً استعراضياً، وآخر غير استعراضي. وأن للنائب السابق جهاز معلوماته الخاص، وأن «كسروان ليست منطقة سايبة»، وعلى الراغبين بالتزلج فيها مراجعة أميرها الخازنيّ للحصول على إذن بالدخول، أفراداً أو جماعات. ولا يلبث، بعد انتظار ساعتين كان الأسير والمنشد فضل شاكر يتناوبان خلالها على التنقل بين الباصات للترفيه عمّن فيها، أن ينكسر الخازن والمختار ومن نصّبوا أنفسهم ممثلين لأهالي كفرذبيان، و«يخسر المسيحيون مجدداً حقوقهم» بقطع الطريق: تفتح الطريق ويمر موكب الأسير ليبلغ مركز التزلج و«يفشّ» الأسيريون خلقهم بالتراشق بالثلج و«التزحلط» عليه.
لكن من «زحط» فعلاً لم يكن الأسير الذي يحب اللعب، بل التيار الوطني الحر. فبدل التفات نواب كسروان العونيين، ولا سيما ابن كفرذبيان النائب فريد الياس الخازن إلى الفخ الذي نصبه خصوم التيار الوطني الحر ممثلين بالنائب السابق فريد هيكل الخازن، وتكثيف تحركهم ميدانياً وإعلامياً وحتى حزبياً، تفرج هؤلاء على أنصارهم يلحقون، بغرائزهم ومخاوفهم المستجدة من النقاب واللحى والغرباء والسلفيين، بالنائب السابق إلى حيث يريد. استدرجهم المختار ذاته الذي كان يهدد وزيرهم فادي عبود قبل بضعة أيام ويتوعده. اشتغل التحريض. وفي لحظة، بدا كسروانياً وفايسبوكياً وعلى الموقع الرسمي للتيار الوطني الحر كأن التيّار يخوض أُم معاركه. وبدل أن يكلف النائب فريد إلياس الخازن نفسه عناء الاتصال بالتلفزيونات ليؤكد أن ليس للتيار علاقة بحرد المختار، اكتفى النائب الكسرواني بتصريح إلكتروني مقتضب يقول فيه إنه ليس للتيار علاقة من قريب أو بعيد بما يحصل، وإن الطريق ستفتح. أما زميله في الكتلة العونية يوسف خليل، فضيّع المشاهدين في اتصاله الهاتفي، أكثر مما هم ضائعون، في حديثه عن وجوب التعامل مع «ما يجري في كفرذبيان بحكمة وروية وإبعاده عن السياسة»، وعدم «إلباس الأمور العفوية لباساً أمنياً». وبدل شجب الجنرال لاحقاً خطأ قطع الطريق، تبنى مصطلح «النيات الاستفزازية» الذي أضيف أول من أمس إلى القاموس السياسي اللبناني، مشيراً إلى أن «أهالي كفرذبيان» كانوا ينتصرون لكرامة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله والرئيس نبيه بري وكرامته الشخصية. وغاب عنه، كما يبدو، أن أنصار الخازن الذين قطعوا الطريق هم أقرب، وبكثير، إلى القوات اللبنانية منهم إلى التيار الوطني الحر، وأنهم على هامش قطع الطريق كانوا يسألون عناصر الجيش، مع «نيات استفزازية»، لماذا لا يستعرضون عضلاتهم في الضاحية أو في الجنوب، شامتين باللحى والمحجبات، من دون أن يعرفوا حتى الفرق بين السلفيّ وغيره، أو السلفيّ والشيعيّ.
الأسوأ، أبعد من استعراضات الخازن الفارغة، ظهور العونيين بمظهر المتحمسين لقطع الطريق على مجموعة أبرز ما يأخذونه عليها هو قطعها سابقاً الطريق أيضاً. وبدا أن الشباب أحلّوا لأنفسهم الحلول محل الأجهزة الأمنية والقضائية في الاتهام والمحاكمة وتنفيذ الأحكام، مشرعين لأنفسهم، تحت ذرائع مختلفة، تصرفات مليشياوية. وقفزت إلى خطابهم كلمات مثل «مناطقنا» و«غرباء» و«استفزازنا» وغيرها مما لا تشبه بشيء أساس نشأة التيار كردّ فعل على التصرفات المليشياوية وعزل المناطق وقطع الطرقات. نسوا «يوم المعبر»، حين اخترقت أرتال العونيين قطاع الطرق باتجاه الضاحية وعاليه وبشارة الخوري. ونسوا أن هذا الآخر، سلفياً كان أو ما يشاءه، يشاركهم حقوق المواطنة، وعلى الأجهزة الأمنية ــــ لا هم ــــ التدقيق بنياته ومحاسبته، إن استوجب المحاسبة.


فيل في متجر كريستال

لا يكاد يذكر النائب السابق فريد هيكل الخازن إلا ويحضر في الحديث نائب كسرواني راحل يصفه أحد زملائه بـ«الفيل في متجر كريستال». فإلى جانب إرباكه التيار الوطني الحر أمس، استوجبت حركة الخازن رداً قاسياً عليه من حلفائه المفترضين في القوات اللبنانية، وتبايناً واضحاً بين القوات والكتائب اللبنانية. فبعد استنكار النائبة ستريدا جعجع قطع الطريق، رأى بيان القوات اللبنانية الرسمي أن «قلة قليلة جداً من أبناء كسروان قامت بهذا العمل لغاياتٍ مشبوهة». وطلب البيان من «الأجهزة المعنية توقيف كل من له علاقة بالتحريض وإثارة الأخبار والمعطيات المختلقة التي أدت إلى هذا الحادث المؤسف». وفي المقابل، كان حزب الكتائب ممثلاً بنائب الرئيس سجعان قزي يعتبر «النزهة مشبوهة»، ويدعو إلى دعم تحرك الأهالي «حتى لا يتركوا وحدهم». أما «جهبذ» الخميس فكان، من دون منازع، رئيس جمعية الصناعيين نعمة افرام الذي بدل تصرفه كمرشح مستقل، يهمه من موقعه الرسمي جمع اللبنانيين بدل تفرقتهم وفتح الطرقات بدل قطعها، سأل عما «يفعله الأسير في منطقة التزلج في هذه الظروف الصعبة ولماذا التحدي في زمن الوفاق؟»، من دون أن يشرح كيف تكون الظروف صعبة وهو زمن وفاق أو أين يرى وفاقاً، قبل دعوته الكسروانيين لأن يكونوا «أم الصبي»، من دون توضيح أي صبي يقصد. ودعاهم إلى أن «يتعالوا على التحدي» من دون أن يوضح ــــ أيضاً ــــ أي تحدٍّ، ومن تحدى الكسروانيين أساساً.

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا