×

علماء لبنان: استفاق مارد الإسلام

التصنيف: سياسة

2013-02-08  11:04 ص  577

 

 غلبت «العفوية» على الاجتماع الطارئ لـ«هيئة علماء المسلمين في لبنان». مواقف نارية متشنّجة، أُتبعت بأخرى مهدّئة. حرص المشايخ المجتمعون على إيصال الرسالة: «عرسال خط أحمر». فأكّدوا جملة شروط وضعوها برسم قيادة الجيش، لكنهم شددوا على التزامهم «منطق الدولة»

رضوان مرتضى
ضجّت القاعة بالتكبيرات. فجأة، علت أصوات المشايخ هاتفة: «الله أكبر، الله أكبر». حماسةٌ أثارت شهية الحاضرين في المؤتمر الصحافي الذي دعت إليه «هيئة علماء المسلمين في لبنان»، في فندق السفير ببيروت، فانبرى بعضهم للمزايدة انفعالاً. «أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم»، عبارة افتتحت جولة المداخلات. أطلقها أحد الحاضرين، فتلقّفها شيخٌ ليُزايد على سابقه: «من يعتدِ علينا، فسنعتدي عليه. من يقتل أخي أو أبي فسأقتله، ولو كان من الجيش». كلماتٌ عنيفة أطلقتها حنجرة الشيخ كاشفة عن غضبٍ يعتمل في داخله. هنا تعلو التكبيرات مجدداً. حدّة الشيخ تلاقي «تطييب» الكثيرين. ينفعل الشيخ أكثر، مضيفاً: «أصل البلاء من حزب اللات. يُريدون إغلاق الشريان الحيوي الذي يمدّ شرفاء سوريا بأسباب الصمود». ويُردف قائلاً: «باسم المقاومة يُتاح لهم كل شيء». يتحدّث عن الحزب الذي «يُرسل مقاتليه إلى سوريا لقتل الأبرياء بحجة حماية المقامات»، ثم يُضيف عبارة: «لو عاد الأمر إلينا لأزلنا المقام أصلاً»، يُتبعها بقول شريف: «إنّ حُرمة المُسلم عند الله أغلى من حُرمة الكعبة، فعن أي مقامٍ يتحدثون؟».
ترتفع الصيحات المُكبّرة مجدداً. يغلب الاحتقان على جو المداخلات، فيتدخّل أحد المشايخ مهدئاً: «أفراد الجيش أبناؤنا، وكلّنا تحت سلطة الدولة وسننتظر انتهاء التحقيق القضائي». يسحب شيخٌ آخر الميكروفون مُتحدّثاً: «لن نرضى بأن يُغطي الجيش على عمل الشبّيحة. مارد الإسلام قد استفاق». مزيدٌ من المواقف تتوالى. يصل الميكروفون إلى شيخٍ آخر، فيتحدث عن عملية دهم نُفّذت منذ ثلاثة أسابيع في خلدة. يُشبّه الشيخ المشاهد التي عاينها بأنه شعر كأن عملية الدهم تُنفّذ في فلّوجة العراق. يُعقب عليها بخلاصة ضمّنها: «الاستهداف لا يقتصر على عرسال. كُلُّ منطقة فيها تحرّكٌ إسلامي يحاولون استفزازها». هنا يستعيد الدفة مشايخ تغلب التهدئة على كلامهم. يطلبون من زملائهم الحرص على عدم استخدام التعابير الانفعالية التي تزيد الانقسام وترفع مستوى الاحتقان. هكذا انقسم المشايخ الذين حضروا الاجتماع الطارئ الذي دعت إليه «هيئة علماء المسلمين في لبنان». اختلطت المواقف المتشنّجة بالمواقف الداعية إلى التهدئة أثناء الاستماع إلى مداخلات الحاضرين. قبل ذلك، كان كلّ شيء هادئاً تقريباً. «جريمة، لا تُغتفر، تُرتكب بحقّ الأمة»، مضمون عبارة لخّصت مدى فظاعة قضيتي «قصاص عرسال» و«الزواج اللاديني» (المدني)، بالنسبة إلى المسلمين السُّنّة. إضافة إلى تطرّقهم إلى الكاريكاتير المسيء إلى العلماء المسلمين الذي نُشر في جريدة الشرق. فقد ظهر رسم الرئيس سعد الحريري، تعلوه عبارة تتحدث عن «احتجاج العلماء» مذيّلة بقول «القافلة تسير»، فطالب المجتمعون بالادعاء على الصحيفة.
بعيداً عن ردود الفعل العفوية، حرص المنظّمون على تغليب «لغة العقل ومنطق الدولة» على كلماتهم. «المطالب المشروعة» صاغتها كلمات خطباء «الاجتماع الطارئ» الذين تعاقبوا على المنبر، فكانت عبارة عن تساؤلات عن ملابسات حادثة عرسال، بالإضافة إلى ردود على اتهامات طاولتهم، «محاولة الإيقاع بين الجيش وأهالي عرسال، وتحديداً الطائفة السنية»، ثم اتُّفق على انتظار نتائج التحقيقات التي أصرّوا على أن تكون علانية.
افتُتح الاجتماع بكلمة لنائب الجماعة الإسلامية عماد الحوت، فكان سرداً لـ«شُبهات» عدة، رأى الحوت أن كثيرين سقطوا فيها. فبدأ من «الزواج اللاديني» ليصل إلى «حادثة عرسال». تحدث الحوت في الأولى عن أصل طرح الزواج المدني، مفنّداً شُبهات عدة. فرأى أن «الطرح مخالف للقوانين»، وإقراره أقرب إلى تعديل دستوري ينقض «العيش المشترك». وفي حادثة عرسال، أكد الحوت إدانة أي اعتداء يطاول الجيش، لكنه طالب بوقف الاعتقالات العشوائية، داعياً قائد الجيش إلى فتح تحقيق جدّي يُجيب عن تساؤلات عديدة لا تزال من دون أجوبة.
وتحدّث القاضي الشيخ همّام الشعّار عن مسألة طرح الزواج المدني، ففنّد مبررات رفض الزواج اللاديني، مشيراً إلى أن «رافض بعض الشريعة كرافضها كلّها». بدوره قرأ الشيخ أحمد الفليطي بياناً، نيابة عن أهالي بلدة عرسال، أدان فيه «قرار التصفية الميداني وعملية اغتيال المواطن خالد الحميد الذي لم يكن قد صدر في حقه مذكرة توقيف». وتوجه الشيخ الفليطي إلى أهالي ضبّاط وعناصر الجيش قائلاً: «نؤكد أننا لم نقتل أبناءكم، إنّما قتلهم من زجّ بهم». وأكّد أنه لم يجر تنكيل بالجثث كما صوّرت وسائل الإعلام، مشدداً على «أننا تحت سلطة الدولة». وأشار الفليطي إلى أن «للجيش ستة مراكز عسكرية في البلدة لم يسبق أن حصل عليها اعتداء». ونقل عن الأهالي مطالبتهم بـ«تحقيق قضائي شفّاف وعلني وتوضيح لماذا دخلت المجموعة متخفّية دون إخبار القوى الأمنية». وكرر تساؤله غير مرة عن «سبب تصفية حميد ميدانياً حتى قبل محاولة توقيفه». وسأل أيضاً عن دافع المجموعة للذهاب باتجاه الجرود وليس عبر طُرق عرسال المعتمدة. ثمّ تحدّث الرئيس الدوري للهيئة الشيخ أحمد العمري مفتتحاً كلامه بعبارة: «لا عدوان إلا على من اعتدى». ثم قرأ بيان هيئة العلماء المسلمين الذي رأى فيه أنّ «إقرار الزواج المدني سيؤدي إلى فتنة»، واصفاً إياه بأنه نسخة عن الزواج الغربي المسيحي. وفي ما يتعلق بما جرى في عرسال، دعا البيان إلى «تشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في الجريمة الملتبسة والمزدوجة بحق أهلنا في عرسال وأبنائنا في الجيش». كذلك دعا إلى «الكشف عن القتلى الآخرين الذين سلّمهم الأهالي للجيش صرعى بشكل يقيني ولم تُعلن أي جهة تبنيهم»، سائلاً: «أين ذهبت جُثثهم». وطالب بـ«إطلاق فوري للشيخ يحيى الحجيري وسائر المعتقلين».
لم يقتصر الاجتماع على الكلمات؛ فقد دعّمت «هيئة علماء المسلمين في لبنان» خطبها بصور. فعُرضت شاهدة عيان تقول إنها شاهدت كيفية إطلاق المسلّحين النار على خالد الحميد. وذكرت أنه لم يقاومهم، شارحة كيف سُحبت جثّة حميد قبل أن ينطلق المسلّحون باتجاه الجرد.
وذكرت الهيئة أنّ هناك 3 جثث مجهولة. كذلك عرضوا صورة للمعاون خالد زهرمان ببزته العسكرية، قاصدين من ورائها التأكيد أنّ الجثث لم تتعرض للتنكيل. وتطرقوا إلى حلقة بُثّت على تلفزيون «أم تي في» للمقدم التلفزيوني جو معلوف، تحدث فيها عن «السفّاحين والإرهابيين من عرسال»، فسألوا عن سبب التحريض متسائلين: «لماذا لم تقم قيامة هؤلاء عندما قُتل أربعة عسكريين في بعلبك». وأجمع الحاضرون على أن هناك حرباً تُشنّ على المسلمين.

وثائق ثبوتية للمهمات الأمنية
يؤكّد المقربون من رئيس بلدية عرسال علي الحجريري وجود مدنيين قتلى، يجزمون بأنهم سقطوا خلال الاشتباكات بعد استهداف المطلوب خالد حميد. ليس هذا فحسب، يُطالبون الجيش بالكشف عن هوية ثلاث جثث مجهولة سلّموه إياها، علماً بأن المؤسسة العسكرية تؤكد أن الجثث الثلاث تعود للجرحى الذين كانوا غائبين عن الوعي (ملازم أول ورتيبان). غير أن المقربين من الحجيري يتحدثون عن «وثائق» تؤكد ادعاءاتهم، فيستندون إلى أوراق ثبوتية (إخراج قيد وهوية ورخصة سوق)، وجدوها في ملابس أحد الشهداء تحمل اسم رواد ع.
المقتنعون بنظرية وجود مدنيين مع الجيش في جرد عرسال، كانوا يريدون استخدام هذه المستندات لإثبات وجهة نظرهم، قبل أن يتبين لهم أن هذه الوثائق عائدة إلى الشهيد الرائد بيار بشعلاني، وتحمل صوره الشمسية، وأن استخبارات الجيش تزوّد بعض أفرادها عندما يخرجون في مهمات أمنية محددة بوثائق تخفي هويتهم الحقيقية.
من جهة أخرى، كشفت مصادر أمنية أن الجيش أصدر وثيقة عممها على حواجزه تتضمن طلب توقيف نحو 83 مطلوباً مشتبهاً في مشاركتهم بالكمين الذي نُصب لعناصر الجيش بعد إنجازهم مهمتهم في عرسال. وتشير إلى أنّ من بين هؤلاء كل من رئيس البلدية علي الحجيري وابن عمّه مصطفى الحجيري الملقّب بـ«أبو طاقية».

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا