فقيد العلم والإسلام الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله، قدم للإسلام خلال عمره الشريف الكثير الكثير، علم الدين والتقوى والعلم واستنباط الأحكام، إضافة إلى الحكمة والرزانة والهدوء، عرفناه حين كنا على مقاعد الدراسة سنوات لا يكل من العطاء ولا يتعب من الاقدام، وها هو في هذا العمر يأتي إلى المسجد ليعلم العامة المبتدئين والبسطاء مبادئ الإسلام، لم يمنعه تقدمه في العمر ولا مرتبته العلمية العالية أن يعطي يوميا كل من يحتاج العلم النافع الهادي إلى الصواب... سنفترض انه اخطأ التقدير في موقفه السياسي من النظام ومما يسمى ثورة، سنفترض انه أساء لمن يريد الإصلاح ولمن يريد التغيير، هل هكذا يكون مصيره؟، ولئن افترضنا مع الجهلاء انه اخطأ لدرجة أن يستحق القتل، فما ذنب هؤلاء العشرات من المصلين الذين قتلوا معه، ولئن افترضنا وفق شياطين الاهواء والسهوات انهم استحقوا القتل لأنهم يستمعون إليه، وهذه جريمة كبرى، فأين حرمة المسجد والصلاة والمصاحف.
قال تعالى : {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} الحج40، لقد نهينا عن تدمير وإيذاء الكنائس والأديرة وأي مكان تقام فيه صلاة لله مهما كان نوعها، فكيف يمكن أن يسمح إنسان يدعي الإسلام أن يفجر في مسجد وفي وقت صلاة وفي مجلس لله، أين الإسلام من كل هذا؟.
كل هذه الحرمات سقطت، لأن هنالك جاهلا ما بالكاد يستطيع أن يقرأ الفاتحة أو بالكاد يحسن الوضوء، هنالك جاهل في مكان ما زينت له شياطينه أن هذا الرجل الطاعن في السن المتنقل من مسجد إلى آخر ومن محاضرة إلى أخرى ومن مكرمة إلى غيرها... استحق القتل.. هكذا وبكل بساطة تنتهك الحريات ويزور الدين وتطمس الحقائق.
اقول بالفم الملآن ليس كل ما قاله نوافق عليه وليست كل مواقفه مقبولة، ولو كنا مكانه لما قلنا كثير مما قاله ودون أن ننسى أنهم يشوهون كلامه ويضخمون أخطاءه ويكذبون على لسانه ومهما يكن من أمر، ألا يحق لمن قضى عمره في المساجد وحلقات العلم أن يكون له رأي غير رأيكم أيها الجاهلون؟، أم أن الاجتهاد حكر على من يتلقى المال من قطر والأوامر من أميركا والذي يوافق "اجتهاده" المريض الأهداف الصهيونية... هؤلاء فقط يحق لهم الاجتهاد ويحكمون في ديار المسلمين والعلماء والشرفاء؟، هؤلاء الذين امتلكوا الحقيقة كلها وكشف لهم الغيب فأصبحوا يعلمون من يستحق الحياة ومن يوجب له الموت؟، تماما مثل عبد الرحمن بن ملجم الخارجي عندما هوى بالسيف على إمام المتقين (علي) وهو يصلي الفجر في المحراب، تماما كان عبد الرحمن بن ملجم يملك الحقيقة ويعلم أكثر من علي ويفقه أكثر من أبي الحسنين، هكذا هي الأمور وللأسف، أو كالمجرم (أبو لؤلؤة المجوسي) الذي قتل عبقري الإسلام عمر لسبب قد يكون شخصيا وقد يكون لحساب المجوس.
نتمنى أن يكون ظننا في غير محله وان يكون هنالك شيء غير الذي نعلمه، أن يكون القاتل أو واضع القنبلة الماجنة، أن يكون عميلا مباشرا للأميركي أو للإسرائيلي أو لمن يريد تسعير أوار الفتنة في سوريا... نتمنى أن يكون هنالك احتمال آخر حتى لا يساهم الجهل والكفر والعهر هذا في الصد عن سبيل الله.. نترك لأنفسنا شيئا من الأمل، نفترض أن هنالك نسبة واحد بالمئة أن يكون القاتل هو من جهة مخابرات عالمية عسى أن ترتاح نفوسنا ولو بالظن، لأننا عندما نتصور أن الذي أفتى بذلك "مسلم" أو شبه عالم تضيق الدنيا في أعيننا وتصبح سوداء.
يتساءلون وهم ينظرون إلينا من بعيد: هؤلاء هم المسلمون، أهؤلاء هم الإسلاميون؟ وصل الإجرام بهم إلى حد انتهاك المساجد وقتل كبار العلماء، لماذا؟ لأنهم اختلفوا في موقف ولم يتفقوا على فتوى... الله اكبر كم ترتكب من المجازر باسم الإسلام، وكم يتم تشويه الإسلام على يد من يزعم انه إسلامي يدعو إلى الإسلام.
عند هذا الشهيد كتابان لو أنهما نشرا كما ينبغي لكانا حصارا حقيقيا للأفكار التي استغلت بشكل سيء فأنبتت الفكر التكفيري المعاصر، هذان الكتابان هما: السلفية مرحلة تاريخية وليست مذهبا إسلاميا، اللامذهبية اكبر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية... ولكن للأسف الكتب الهادئة العاقلة الرزينة لا تجد من ينشرها وكتب التعصب والتخلف وقنوات الحقد والكراهية ينفق عليها بالمليارات، والعلم النافع لا يجد له من ينشره ومن يطبعه ومن يبثه.. لا حول ولا قوة إلا بالله.
نعم هو شهيد الإسلام والوسطية وحقن الدماء، والآخرون أهل الفتن والضلال والله شهيد على الجميع.
هل كتب علينا أن نختار بين الديكتاتور والأجنبي؟ هل كتب علينا أن نختار بين ظلمين أحلاهما مر؟ هل كتب علينا الاختيار بين السيء والأسوأ؟ ... هذا ما يتبادر إلى الذهن مباشرة ونحن نرى حلقة من المؤامرة تخرج إلينا لتؤكد ما قلناه سابقا: الدور الأميركي المميز، رئيس الحكومة الانتقالية المفترض غسان هيتو يحمل الجنسية الأميركية ويتكلم اللغة العربية بلهجة أميركية تتمة للحلقات السابقة كرازاي الأميركي، احمد شلبي واياد العلاوي، والآن غسان هيتو... وبينهم أيضا محمد مرسي الذي عاش في أميركا طويلا أيضا، وان كان وضعه يختلف عن الآخرين لأسباب كثيرة.
ويأتي الأميركي الجديد المنقذ للديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا، في الوقت الذي تؤكد فيه أميركا (ولاءها) الكامل لإسرائيل، جاء اوباما معتذرا من نتنياهو لأنه وقف ضده في الانتخابات الأخيرة وليؤكد التحالف الأبدي مع إسرائيل.
هذه هي أميركا الحاضنة للوبي الصهيوني هي التي تنفق وتسلح وتحرض وتخطط للربيع العربي بما فيه الربيع السوري الموعود، وكثيرون منخرطون في هذا الوهم الكبير.
مهما كان ظلم النظام السوري ومهما كانت أخطاؤه فان ما سيأتي حسب التخطيط الموضوع سيكون أسوأ بكثير، انظروا إلى العراق وإلى ليبيا وحتى إلى مصر... ولكن هذه الغفوة التي تأخذ الجميع بحماسة غير معهودة تجعل العقول في إجازة.
المكتب الاعمي
لفضيلة الشيخ ماهر حمود