×

حرب السنتين» في الأرشيف الفرنسي

التصنيف: سياسة

2013-04-13  09:10 ص  727

 

 

نبيل الياس الخوري
من بوسطة عين الرمانة إلى مرفأ السبت الأسود، ومن الوثيقة الدســتورية إلى ما بعـــد خــط صوفر، ذهـــب لبـــنان، على مــتـن طـــوّافة مشتعلة، في جولة حرب، نقلته، بين 13 نيسان 1975 حتى تشرين الأول 1976، ولم تتوقف إلا في العام 1990. من بيروت إلى بيروت، مــروراً بمحــطات إقليميــــة ودوليــة أبرزها دمشــــق وتــل أبيــب والــــريـاض ومـوســكو وواشــنطن وباريــس...
ارتبطت حرب لبنان ارتباطاً وثيقاً بالسياسات الإقليمية والدولية. التدخل الإسرائيلي تجسّد من خلال استمرار الغارات وأعمال القصف ومن خلال الدعم الأمني والعسكري للقوى اليمينية المسيحية اللبنانية، بينما كان للتدخل السياسي والأمني والعسكري السوري تأثيراً مباشراً وحاسماً في مجريات هذه الحرب، مرة حين كانت سوريا تدعم وتسلح القوى الفلسطينية وقوى اليسار اللبناني، ومرة أخرى عندما انقلبت على هؤلاء وحسمت الصراع لمصلحة خصومهم، قبل أن تطبق سيطرتها الكاملة على جزء أساسي من الأراضي اللبنانية.
على المستوى الدولي، شكلت حرب لبنان بين العامين 1975 و1976 اختباراً تاريخياً لإرادة الدول الكبرى وقدراتها. دراستها تسمح بمعرفة ماذا أرادت هذه الدول. ماذا فعلت، وما الذي قدرت على فعله أو لم تقدر، إذا كان دور كل من موسكو «السوفياتية» وواشنطن، في حرب لبنان، دورَ الجبّارين في العلاقات الدولية آنذاك، فإن دور باريس لم يكن أقل أهمية منهما؟
وإذا كانت العلاقة بين موسكو وواشنطن علاقة خصمين يخوضان حرباً باردةً، فإن العلاقة بين فرنسا والولايات المتحدة في ضوء «حرب السنتين» في لبنان، تبقى علاقة مثيرة للجدل، بين حليفين غربيين يحبِّذان التعاون في ما بينهما حول أزمة لبنان تلك، لكنهما لا يمتلكان رؤية مشتركة لكيفية التعاون بينهما.
الأحداث والمبادرات المعلنة تكشف، كما أشار أكثر من باحث ومؤرخ لبناني وأجنبي، أن اهتمام واشنطن بحرب لبنان لم يبدأ فعلياً إلا في نهاية آذار 1976. في حينه، وصل المبعوث الأميركي دين براون إلى لبنان في مهمة تهدف إلى توطيد اتفاق «الخطوط الحمر» والتمهيد للتدخل العسكري السوري المباشر من أجل وضع حد لعملية الحسم العسكري التي بدأها تحالف «منظمة التحرير الفلسطينية» والقوى التقدمية اللبنانية. كذلك، كان الهدف من مهمته ضمان انتخاب رئيس جديد للجمهورية في وقت مبكر منعاً لحصول أي فراغ دستوري بعد انتهاء ولاية سليمان فرنجية.
في ما يتعلق بدور باريس، تكشف المعلومات المعلنة أن دورها اقتصر على مهمة «شبه فاشلة» للمبعوث الفرنسي موريس كوف دو مورفيل في نهاية خريف 1975، الذي لم ينجح سوى في مصالحة رئيس الجمهورية سليمان فرنجية ورئيس الحكومة رشيد كرامي... ثم أتت مهمة جورج غورس في نيسان 1976، الذي كان أول من أعلن عن استعداد فرنسا لإرسال قواتها بتفويض من الأمم المتحدة من أجل المشاركة في نظام مراقبة أمنية لوقف إطلاق النار بين المتحاربين وللفصل بينهما.
تحولت مهمة غورس الى مبادرة فرنسية حاولت باريس الترويج لها بحيوية بين منتصف نيسان وحتى أواخر أيار. بعض الباحثين والمؤرخين نظر إليها بوصفها مبادرة فرنسية ـ أميركية، لأن الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان كرر طرحها، بشكل لافت للانتباه، خلال زيارته إلى الولايات المتحدة في أيار 1976.
كتّاب آخرون يتحدثون عن محاولة فرنسية مستقلة، نابعة من اهتمام فرنسا بالعودة إلى لبنان، بعدما غادرته في العام 1945، وبعدما تم منعها من التدخل في العام 1958، وبعدما لم تتمكن من ترجمة الوعود التي قدمها الجنرال شارل ديغول إلى السلطة اللبنانية في العام 1968 ومفادها أن فرنسا مستعدة للتدخل عسكرياً والدفاع عن لبنان بوجه الغارات الإسرائيلية المتلاحقة آنذاك.
لا تهدف هذه المساهمة إلى نقض ما كتبه الباحثون والمؤرخون، بل إلى تقديم عناصر جديدة ومكمّلة، تسلط الضوء على مبادرات غير معلنة، جرى الحديث عنها في الكواليس الديبلوماسية، لم يأت هنري كيسنجر على ذكرها أبداً في مذكراته التي تناول فيها «حرب السنتين» بشكل مسهب، وغابت عن مداخلات موريس كوف دو مورفيل التي خصصها للحديث عن مهمته إلى لبنان...
تسرد هذه المساهمة معلومات جديدة وربما تكون غير مسبوقة عن تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية، تم الحصول عليها من أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية، الذي كشف لنا بصورة استثنائية (في إطار إعدادنا لأطروحة الدكتوراه في العلوم السياسية حول موضوع «ديبلوماسية كل من واشنطن وباريس تجاه أزمات لبنان، من 1958 حتى 2008») عن جزء قيّم من الوثائق والبرقيات المتعلقة بالشأن اللبناني بين العامين 1973 و1982.
تستعرض الحلقة الأولى من هذه المساهمة ملخص ما يمكن تسميته بورشة تفكير ديبلوماسية في وزارة الخارجية الفرنسية حول أزمة لبنان بين نهاية شهر أيلول وكانون الأول 1975. وتكشف التقارير التي تمّ التداول بها عن أفكار ومبادرات لم تخرج إلى العلن في ذلك الوقت. فكيف فكّرت الديبلوماسية الفرنسية؟ وكيف حسبت خطواتها؟ وماذا أرادت أن تقوله ولم تقله أو ماذا قالته ولم تعلن عنه؟ هل حاولت فرنسا طرح فكرة التدخل العسكري الخارجي للمساهمة في وقف الحرب الأهلية في لبنان؟
بعدما أعلنت باريس في 17 أيلول 1975، في ضوء تدهور الوضع، أنها مستعدة للمساهمة في أي تحرك يضم «الحكومات الصديقة للبنان» ويهدف الى مساعدة لبنان ودعمه لتجاوز المرحلة الصعبة التي يمر بها ووضع حد للحرب الأهلية، كثّف المسؤولون الفرنسيون والأميركيون مباحثاتهم الثنائية في شأن لبنان في نهاية شهر أيلول.
لم يتمخّض عن هذه المباحثات تحرك ديبلوماسي ملموس، لكنها شكلت أوّل مناسبة (بحسب ما تم كشفه من وثائق في الأرشيف الفرنسي) طرح خلالها الديبلوماسيون الأميركيون ضرورة القيام بمبادرة ما تهدف إلى المساهم في تهدئة الأوضاع في لبنان. لم توضح الإدارة الأميركية ما هو تصوّرها لهذه المبادرة. لكن وزير خارجية الولايات المتحدة هنري كيسنجر أبلغ نظيره الفرنسي جان سوفانيارغ، خلال لقائهما في نيويورك في نهاية أيلول، أن بلاده قلقة للغاية حيال الوضع المتفجر في لبنان وتطرح تساؤلات حول إمكانية وكيفية التعامل معه. لم ينجم عن اجتماعهما أي اتفاق عملي، لكن سوفانيارغ طالب كيسنجر بممارسة الضغط على إسرائيل لتفادي أي تدخل في جنوب لبنان من شأنه أن يفاقم الوضع وأن يؤدي إلى ردة فعل سورية، في حين طلب الوزير الأميركي من نظيره الفرنسي أن تتدخّل باريس لدى الدول العربية المعنية، خصوصاً لدى سوريا والعراق، من أجل الحفاظ على التهدئة والحؤول دون أي سلوك من شأنه أن يقود إلى حرب إقليمية، بحسب ما ورد في تقرير ديبلوماسي فرنسي تمّ إعداده في 20 تشرين الأول 1975.
التنسيق الأميركي الفرنسي لم يتجاوز هذا الحدّ. وبات شبه منتهٍ على الأرجح. لأن الصحافي الفرنسي، إيريك رولو، يكشف (في صحيفة لوموند) أن سفير واشنطن في دمشق، ريتشارد مورفي، التقى الرئيس السوري حافظ الأسد في 16 تشرين الأول 1975، ناقلاً إليه رسالة أميركية تدعوه إلى تشجيع حل متوازن في لبنان، بواسطة «جيش التحرير الفلسطيني» (جزء من الجيش السوري)، على أن تلتزم الولايات المتحدة في إقناع إسرائيل بالموافقة على تدخل سوري محصور ضمن حدود معقولة. كيسنجر يؤكد لاحقاً في مذكراتها هذه المعلومات، شارحاً أن الولايات المتحدة كانت تؤيد ما أسماه «الحل السوري» للأزمة اللبنانية، أي ما عرف لاحقاً بـ«الوثيقة الدستورية» التي تضمنت بعض الاقترحات الإصلاحية للنظام السياسي اللبناني.
باريس لم تكن معارضة لهذا الحل السياسي السوري. لكن في وقت يكشف فيه كيسنجر أنه كان في ذلك الوقــــت مقتنـــعاً باستحالة فرض هذا الحل السياسي من دون استخدام قوة عسكرية خارجية، ليبرر لاحقاً دعمه الضمني للتدخل العسكري السوري، يكـــــشف الأرشيف الديبلوماسي الفرنسي، في المقابل، أن فـــــرنسا بدأت التفكير، اعتباراً من تشــــرين الأول، في أشكــــال تحــــركها، وتوصلت إلى صياغة رؤية سياســــية وأمنية لوقــــف الاقتتــــال والمصالحة في لبــــنان. ثــــم أرسلت على أساســــه أول مبعوث فرنسي فــــي تاريــــخ الحــــرب الأهليــــة اللــــبنانية، موريس كـــــــوف دو مورفيل، يرافــــقه جــــورج غورس، اللــــذين قامــــا بمهــــمة استطــــلاعية، بـــين تشـــرين الثــــاني وكــــانـــون الأول 1975.
مراقبون دوليون
يتضمن الأرشيف الديبلوماسي الفرنسي وثائق تشير إلى ان دوائر صنع القرار دأبــــت، قبل اتخــــاذ قرارها بإيفاد المبعوث الفرنسي الى لبنان، على دراسة أسباب وأبعاد الأزمة اللبنانية وسبل الخروج منها على المستويين العسكري والسياسي. بحثت هذه الدوائر في مبادرة تقترح إرسال مجموعة مراقبين دوليين للفصل بــــين المتنازعين ومراقبــــة اتفاق وقف إطـــلاق النار بينــــهم، ثم تحـــقيق المصالحـــة الوطنية وتطبيق إصـــلاحات سياسية واقتصادية.
تفيد الوثائق نفسها أن هذا الاقتراح موجّه إلى جميع الأطراف المحلية والأطراف الخارجية المعنية بالصراع اللبناني، ويقضي بتطبيق حلّ شبيه بالحل الذي اعتمد ونجح نسبياً في الأردن في العام 1970، أي إرسال مجموعة مراقبين دوليين مكلفة بمهمة مراقبة وقف إطلاق النار بعد إقراره من جانب المتحاربين.
في ما يتعلق بالشق السياسي، تقترح وثائق الخارجية الفرنسية ان يتم تشكيل لجنة مصالحة وطنية منوط بها التوصل الى اتفاق لبناني ــ لبناني ولبناني - فلسطيني، وإيجاد الأطر اللازمة لتنفيذ بنود هذا الاتفاق أو ذاك.
صندوق لإعادة الإعمار
تعترف هذه الوثائق ان إرسال مراقبين دوليين وتشكيل لجنة مصالحة يؤديان في الواقع الى نتائج مؤقتة، الأمر الذي يتطلب القيام بمبادرات دولية بعيدة المدى. ماذا يعني ذلك؟ هذه الملاحظة تظهر أن الديبلوماسية الفرنسية كانت تعتقد أن الحلول المقترحة أياً كان شكلها ومضمونها، تبقى جزئية ما لم يتم القيام بثلاث خطوات أساسية: الأولى، تتمحور حول تحرك دولي يهدف إلى إيجاد حل شامل للصراع العربي ــ الإسرائيلي وتحقيق السلام الدائم في المنطقة؛ الثانية، تتعلق بضرورة إجراء مراقبة دقيقة للأوضاع في لبنان، الأمر الذي يتطلب زيادة عدد المراقبين الدوليين وتوسيع اطار مهماتهم من أجل مســـــاعدة الأطراف المتحاربة علــــى إنجـــاح جهود المصالحة؛ الثالثة، تتعلق بإنشاء صندوق دولي لمساعدة لبنان في إعـــادة الإعمار وكذلك وضع خطة تنموية للمناطق اللبنانية كافة (جنوباً وشمالاً وبقاعاً...).
تشدد الوثائق الديبلوماسية على ضرورة ان يتم إرسال المراقبين الدوليين بتفويض من الأمم المتحدة، أي مراقبين من القبعات الزرق. لكن وضع إجراء كهذا موضع التطبيق، أو بمعنى آخر إطلاق مبادرة فرنسية علنية بهذا الاتجاه، يشترط، بحسب هذه الوثائق، ان ينال هذا الإجراء تأييداً بالإجماع من جانب كل أطراف الصراع، وأن ينال موافقة الدول الخارجية المعنية في الصراع أيضاً، أو على الأقل ان تلتزم هذه الدول حياداً إيجابياً حياله. هذا يعني ان فرنسا لن تكون مستعدة لتنفيذ مبادرتها والمساهمة بنشر مجموعة مراقبين للفصل بين المتحاربين في لبنان إلا إذا أعطت كل الأطراف المعنية موافقتها على ذلك. أي أن فرنسا لن ترعى أي عمل وأي تحرك لا يندرج تحت إطار توافقي وتصالحي، ولن تقدم رعايتها لأي إجراء ميداني لا يلتزم مبادئ الحياد وعدم الانحياز.
التشاور الثنائي والدولي
إذاً، كانت وزارة الخارجية الفرنسية تدرك في خريف 1975 انه من غير الممكن القيام بعمل منعزل وأحادي الجانب، لأنه سيكون محكوماً بالفشل. لذلك لا بد من إجراء مشاورات ثنائية، خصوصاً مع سوريا والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، إضافة إلى مشاورات متعددة الأقطاب تشمل، خصوصاً دول المجموعة الأوروبية، وكذلك الأمم المتحدة.
عقبتان سورية وأميركية
في هذا السياق، تكشف الوثائق ان الديبلوماسية الفرنسية كانت تدرك مسبقاً أن مشروع مبادرتها ومقترحاتها سيصطدم بعقبتين لا بد من تذليلهما: الأولى، تتمثل بالاعتراض السوري، والثانية، بالاعتراض الأميركي.
في ما يتعلق بالموقف السوري، تلاحظ الوثائق أن هناك ثلاثة عوامل تحيط بهذا الموقف: أولاً، الرؤية السورية القائمة بنفسها، التي تنظر إلى الوضع في لبنان باعتباره مجالاً محفوظاً لها، تجب معالجته حصرياً بين دمشق وبيروت و«منظمة التحرير الفلسطينية»؛ ثانياً، التوجهات الفلسطينية الرافضة لتعريب أو تدويل الأزمة؛ ثالثاً، موقف جامعة الدول العربية التي يقتصر تحركها على مواقف كلامية بعيداً عن أي فعل، والتي تترك، بشكل ضمني، لسوريا وحدها أن تلعب دوراً رئيساً إزاء الأزمة.
هذه العوامل الثلاثة سمحت بتكوين انطباع أولي بأن الأجواء غير مؤاتية بما فيه الكفاية لإطلاق المبادرة الفرنسية. اعتقدت باريس ان القيام بها في ظل موقف سوري متحفظ، سيؤدي إلى فشل المبادرة، وربما كذلك الى التأثير بشكل سلبي على رصيد فرنسا العربي، الذي كسبته بفضل مواقفها وأدائها أثر حرب حزيران 1967، ووقوفها ضد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية بعد 5 حزيران 1967، ودعمها لحقوق الشعب الفلسطيني وحقه في بناء دولة مستقلة، وإدانتها انتهاكات إسرائيل للقرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن في الأمم المتحدة، خصوصاً القرار 242. بناء على ذلك، توصي الوثائق الديبلوماسية بضرورة الإعداد بشكل جيد لميدان التحرك الديبلوماسي الفرنسي، وضرورة مراعاة «حساسيات» الموقف السوري.
في ما يتعلق بالاعتراض الأميركي، تتساءل الوثائق الديبلوماسية عما إذا كانت واشنطن ستذهب إلى ما هو أبعد من الاعتراض المبدئي على المقترحات الفرنسية، لاسيما ان الإدارة الأميركية واجهت مؤخراً عدم موافقة الكونغرس على إعطائها تفويضا للتدخل في أنغولا، فضلاً عن أنها كانت تركّز اهتمامها على حل مسألة الجولان بعد توقيع اتفاق سيناء في أيلول 1975. اذاً، لا تعتقد الدوائر الديبلوماسية الفرنسية ان واشنطن ستقوم بخطوة متقدمة في شأن الصراع اللبناني في خريف 1975، وهو ما حصل بالفعل، لأن الدور الأميركي في تلك المرحلة اقتصر على الاتصالات السرية مع دمشق لتشجيعها على المضي بمبادرتها السياسية باتجاه «حل متوازن»، ولم يبرز التحرك الأميركي بشكل فعلي إلا في ربيع 1976 مع المهمة الشهيرة التي قام بها السفير الأميركي دين براون.
قدرات فرنسا وأرصدتها
يعتقد المسؤولون الديبلوماسيون الفرنسيون، آنذاك، ان أي تدخل ديبلوماسي لفرنسا في شأن الأزمة اللبنانية، يتمتع بوزن كبير لا يمكن تجاهله، لأن فرنسا تمتلك قدرات فعلية في التأثير على جميع الأطراف المعنية في الصراع. ويعتقد هؤلاء أيضاً أن السياسة العربية الجديدة التي اتبعتها فرنسا منذ حزيران 1967، من شأنها أن تُبْعِد عنها أي شبهة، لاسيما من جانب الفلسطينيين والسوريين. بمعنى أن هؤلاء لن ينظروا إلى المبادرة الفرنسية باعتبارها تدخلاً خارجياً سافراً وغير مقبول، فضلاً عن كون موقف فرنسا وأدائها حيال الصراع العربي - الإسرائيلي يعزز ثقة الفلسطينيين والسوريين بها.
كان الاعتقاد السائد في الأورقة الديبلوماسية أن فرنسا تعتبر البلد الذي يحتل الموقع الأفضل بين الأوروبيين وجميع أعضاء مجلس الأمن الدولي من أجل لعب دور الوسيط الموضوعي، المتحرر من أي رغبة أو نزعة تهدف إلى الهيمنة، سيما وأن الفرنسيين كانوا شبه مقتنعين بأن مازال بإمكان بلدهم ممارسة التأثير على القادة الموارنة، ومطالبتهم في التحلي بالواقعية ومراعاة الواقع الطائفي والاجتماعي الجديد في لبنان.
كذلك، يرى هؤلاء ان علاقة الثقة التي تربــــط بين فرنــــسا و«منظمة التحرير الفلسطينية»، لاسيما بعد افتـــتاح المكتـــب التمثيلي للمنظمة في باريس، في أيلول 1975، وفي ظل مسار سياستها العربية بعد 1967، تسمح لها في إقناع الفلسطينيين حـــــول ضرورة الحفـــــاظ على موقف وأداء معــــتدلين في هذه الظروف، خصوصاً أن أي قطيعة استراتيجية على المستوى الإقليمـــــي ستـــضر بمصالح «منظمة التحــــرير»، المدعوة إلى أن تـــدرك في هذا الســــياق أنه في حال تم استـــلام السلطة من جانــــب التحالف الفلسطيني - التقدمي في لبــــنان، سيؤدي ذلك حتماً إلى تدخـــل عسكري إسرائيــلي مبــاشر.
بناء على ذلك، يجب على فرنسا، بحسب الوثائق الديبلوماسية، التحدث إلى سوريا باعتبارها اللاعب المهيمن، والذي لا يمكن الاستغناء عنه من أجل نزع فتيل الأزمة اللبنانية. تستند هذه الوثائق في تحليلها إلى معطيات مفادها أن سوريا تريد تجنب أية مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل في لبنان، خصوصاً في المرحلة الحالية. وتراهن باريس على صدقية سياستها العربية المتمايزة عن سياسة واشنطن من أجل تعبيد الطريق أمام المبادرة الفرنسية ومحاولة إقناع دمشق بجدواها.
أما في ما يتعلق بإسرائيل، فإن الوثائق تعترف ان الولايات المتحدة تبقى الطرف الوحيد الذي بإمكانه ممارسة التأثير الفعلي على القادة الإسرائيليين.
كيف ترجمت الديبلوماسية الفرنسية هذه النصائح والأفكار؟ هذا ما ستتناوله الحلقة الثانية يوم الاثنين المقبل.

([) لبناني مقيم في باريس ويعدّ أطروحة دكتوراه في العلوم السياسية في جامعة باريس – ديكارت، تحت إشراف مدير «معهد الدراسات الجيوسياسية» الدكتور شارل سان برو.
 

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا