قاسم سليماني.. قائد الظل(3 ـ 3)
التصنيف: سياسة
2013-09-26 06:06 ص 1407
في الحلقة الثالثة الأخيرة من تحقيق ديكستر فيلكينز في مجلة "ذي نيويوركر" يكشف الكاتب عن أنه "في حال ثبت تورّط إيران في قضية اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري، فإن لسليماني الدور المركزي فيها"، مشيراً إلى أن "كبار المحققين في المحكمة الخاصة بلبنان قالوا إن أجهزة الاستخبارات الغربية رفضت مساعدتهم في توفير المعلومات اللازمة حول الجهة التي تلقت في إيران أكثر من عشرة اتصالات من الهاتف الخليوي لأحد منفّذي جريمة الاغتيال". ويختم الكاتب التحقيق بإثارة مسألة انفتاح الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني على الغرب في محاولة لرفع العقوبات الاقتصادية عن بلاده، غير أن عليه بداية "خوض حرب ضد سليماني ورفاقه" المتشدّدين الذين قالوا إنهم سيدافعون عن نظام الأسد "حتى النهاية".
ترجمة: صلاح تقي الدين
أذكى الصراع السنّي ـ الشيعي لحماية الامبراطورية الإيرانية في سوريا ولبنان
أقنع عملاءه في حكومة المالكي باستخدام أجواء العراق لنقل الرجال والعتاد إلى سوريا
يروي أحد كبار المسؤولين الاستخباريين في بغداد كيف أنه زار طالباني في منزله خلال رحلة إلى شمال العراق. وعندما دخل عليه، كان قاسم سليماني موجوداً في المنزل مرتدياً قميصاً وجاكيت سوداوين. وتفحص الرجلان بعضهما. وقال "كان يعرف من أنا وكنت أعرف من هو. تصافحنا من دون أن نقول شيئاً. لم أشاهد بحياتي طالباني مرتبكاً إلى هذا الحد. كان مرعوباً".
وفي السنوات التي تلت الغزو، ركّز الجنرال ماكريستال على إلحاق الهزيمة بالمتمردين السنة، ومثل باقي قادة الجيش الأميركي في العراق، تجنّب بشكل كبير ملاحقة عناصر "فيلق القدس". استفزاز إيران سيفاقم النزاع، وفي أي حال، كان معظم عملائها يعملون تحت حماية ديبلوماسية. لكن مع استمرار الحرب، سيطرت الميليشيات المدعومة من إيران على الساحة بشكل أكبر. وفي أواخر العام 2006، قال ماكريستال إنه شكّل قوة ضاربة مهمتها قتل واعتقال المتمردين المدعومين من إيران، وعناصر "فيلق القدس".
وفي كانون الأول من ذلك العام، شن مغاوير الجيش الأميركي هجوماً على مجمّع عبد العزيز الحكيم، السياسي الشيعي النافذ، ووجدوا فيه الجنرال محسن شيرازي، قائد عمليات "فيلق القدس". واستناداً لكتاب "نهاية اللعبة" لمايكل غوردون وبرنارد تراينور، اعتقل المغاوير شيرازي ما أثار موجة من الذهول في بغداد. وقال مسؤول عسكري أميركي رفيع سابق "كان الجميع مذهولين. الإيرانيون صعقوا. لقد كسرنا القاعدة غير المكتوبة". وطلب نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي من الأميركيين تسليم شيرازي. وعندما فعلوا ذلك ـ متردّدين ـ أطلق المالكي سراحه. وبعد هذه الحادثة، أبلغ السفير الأميركي في بغداد المالكي بأنهم في المرة المقبلة حين يعتقلون ناشطاً إيرانياً، سوف يحتفظون به.
وبعد شهر تقريباً، تلقى الجنرال ماكريستال معلومات تفيد عن احتمال وجود الجنرال محمد علي جعفري، قائد الحرس الثوري، في موكب يعبر الحدود العراقية. واستناداً لمصادر استخبارية أخرى، كان سليماني في عداد الموكب. وانتظرت مجموعة من المقاتلين الأكراد للترحيب بهما عند عبورهما الحدود. وقرّر ماكريستال السماح للإيرانيين بعبور الحدود وقال "لم نرغب الدخول في معركة حربية مع الأكراد".
وظل رجال ماكريستال يرصدون الموكب وقد توغّل أكثر من 150 كيلومتراً داخل العراق إلى مدينةأربيل الكردية حيث توقف أمام مبنى غير موصوف عليه لافتة صغيرة كتب عليها "قنصلية". لم يكن أحد يعرف أن هذه القنصلية موجودة، لكن الواقع يعني أن الرجال الموجودين داخلها كانوا يعملون تحت ستار ديبلوماسي. ومع ذلك، تحرّك الأميركيون، واعتقلوا خمسة إيرانيين. جميعهم كانوا يحملون جوازات سفر ديبلوماسية، وجميعهم، استناداً لماكريستال، كانوا عناصر من "فيلق القدس".لم يكن جعفري أو سليماني في المبنى، لقد انفصلا على ما يبدو عن الموكب في الدقيقة الأخيرة ولجآ إلى منزل آمن يخضع لحماية مسعود برزاني. وقال داغان، الرئيس السابق للموساد "كان سليماني محظوظاً. من المهم جداً أن تكون محظوظاً".
وبعد تسعة أيام، وصلت خمس سيارات رباعية الدفع إلى حواجز على مدخل مجمّع محافظة كربلاء في جنوب العراق. كان الرجال داخل السيارات يتحدثون الإنكليزية ويرتدون ملابس عسكرية أميركية النمط ومزوّدين ببطاقات تعريف سمحت لهم عبور الحواجز. وفي داخل المجمّع نزل ركاب السيارات وسارعوا بالدخول إلى مبنى يعمل فيه جنود أميركيون. قتلوا أحدهم واعتقلوا أربعة آخرين متجاهلين الباقين. وخلال ساعات قليلة، قتل المعتقلون الأربعة برصاصات من مسافة قريبة.
نفَّذ الهجوم رجال "عصائب أهل الحق"، إحدى الميليشيات المدعومة من إيران. وحسب تكهّنات المسؤولين الأميركيين، فإن سليماني هو من أمر بتنفيذ الهجوم، رداً على اعتقال عناصر "فيلق القدس" في أربيل. وبعد شهرين، كانت القوات الأميركية قد قتلت القائد المزعوم للهجوم واعتقلت عدداً آخر من المشاركين فيه. أحدهم كان يدعى علي موسى دقدوق، أحد قادة "حزب الله" الذي تلقى تدريباته في إيران. في البداية، زعم دقدوق أنه غير قادر على التحدث بالإنكليزية، وأطلق عليه الأميركيون لقب "حميد الأخرس"". لكن بعد فترة، قالوا إنه بدأ يتحدث، وأبلغهم أن العملية تم تنفيذها بأوامر من مسؤولين إيرانيين. وللمرة الأولى، أشار القادة الأميركيون إلى سليماني علناً. وفي مؤتمر صحافي عقده الجنرال كيفن بيرغنر، قال "علم فيلق القدس ودعم التخطيط للهجوم في كربلاء الذي أوقع خمسة قتلى من جنود التحالف".
وفيما عنفت الحرب السرية مع إيران، درس المسؤولون الأميركيون احتمال عبور الحدود إلى إيران للهجوم على مخيمات تدريب ومصانع القنابل. وقال ضابط أميركي رفيع خدم في العراق "بعضنا أراد الاقتصاص منهم بشدة". واستمرت هذه النقاشات حتى العام 2011، إلى حين مغادرة آخر جندي أميركي العراق. وفي كل مرة، كان الأميركيون يقررون عدم عبور الحدود، على اعتبار أنه سيكون سهلاً على الإيرانيين تصعيد العمليات القتالية ضدهم.
وفي الوقت نفسه تقريباً، أجرى سليماني عدة مراسلات مع كبار المسؤولين الأميركيين، باعثاً إليهم برسائل من خلال وسطاء ـ يسعى خلالها أحياناً إلى تطمين الأميركيين، وفي بعض المرات لاستخراج معلومات. والمرة الأولى كانت في مطلع العام 2008، عندما سلّم الرئيس العراقي جلال طالباني إلى قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال دايفيد بترايوس الذي تسلّم مهماته منذ عام تقريباًً، هاتفاً خليوياً مع رسالة نصية إلى قائد القوات الأميركية في العراق. وجاء في الرسالة "عزيزي الجنرال بترايوس، يجب أن تعلم إني أنا، قاسم سليماني، يدير سياسة إيران في العراق، لبنان ،قطاع غزة وأفغانستان, وبالفعل، فإن السفير الإيراني في بغداد هو عنصر من فيلق القدس، والرجل الذي سيحل مكانه هو من الفيلق ايضاً". وبعد مقتل خمسة أميركيين في كربلاء، بعث سليماني برسالة إلى السفير الأميركي قال فيها "أقسم بقبر الخميني، إني لم أعط الأمر بإطلاق رصاصة ضد الولايات المتحدة". غير أن أحداً من الأميركيين لم يصدّقه.
وفي تقرير إلى البيت الأبيض، كتب بترايوس أن "سليماني شيطان بالفعل". غير أنه في بعض الأحيان، كان الرجلان يتفاوضان. واستناداً الى البرقيات الديبلوماسية التي نشرها موقع "ويكيليكس"، فإن بترايوس بعث إلى سليماني برسائل عبر مسؤولين عراقيين، طالباً منه الأمر بوقف الاعتداءات الصاروخية على السفارة الأميركية والقواعد العسكرية الأميركية في العراق. وفي العام 2008، كانت القوات الأميركية والجيش العراقي يشنون هجوماً ضد "جيش المهدي" ـ الميليشيا الشيعية لمقتدى الصدر ـ وكعقاب، كانت الميليشيا تقصف المنطقة الخضراء بصورة مستمرة. وأرسل سليماني الذي، شعر بوجود فرصة سياسية، برسالة إلى بترايوس يدين فيها الوضع ويخبره أنه فرز رجالاً ليقوموا بمهمة القبض على المعتدين. وأجاب بترايوس "لقد ولدت يوم أحد، لكن ذلك لم يكن الأحد الماضي". ولاحقاً، توصل سليماني إلى وقف لإطلاق النار بين الصدر والحكومة العراقية.
وفي بعض الأحيان، بدا أن سليماني سعيد بالاستهزاء من نظرائه الأميركيين والترويج لإنجازاته. في صيف العام 2006، وخلال حرب الأيام الـ33 يوماً بين إسرائيل و"حزب الله" في لبنان، بدا أن عمليات العنف في بغداد قد انحسرت. وقال السياسي العراقي إنه بعد انتهاء الحرب، يُزعم أن سليماني بعث برسالة إلى القيادة الأميركية يقول فيها "أرجو أن تكونوا قد استمتعتم بالسلام والهدوء في بغداد. لقد كنت منشغلا في بيروت".
وفي خطاب في العام 1990، قال الخميني إن مهمة "فيلق القدس" هي "إنشاء خلايا شعبية لحزب الله في جميع أنحاء العالم". وعلى الرغم من أن هذا الهدف لم يتحقق، إلا أن "حزب الله" أصبح أكثر قوة نافذة في لبنان ـ قوة عسكرية وحزب سياسي يتفوق على الدولة. ويعتقد بعض الخبراء في المنطقة أن "حزب الله" نما لدرجة أصبح فيها أقل اعتماداً على إيران. غير أنه خلال عشاء في بيروت في العام الماضي، اشتكى وليد جنبلاط، أحد السياسيين اللبنانيين، بأن قادة "حزب الله" لا يزالون عبيدا لطهران. وقال جنبلاط "عليك أن تجلس وتتحدث معهم، لكن ماذا تقول؟ ليس هم من يقرر. إنه خامنئي وقاسم سليماني من يقرران".
وكان حسن نصرالله، زعيم "حزب الله" قد اعتنق مبدأ "ولاية الفقيه" التي تعترف بالسلطة المطلقة للقائد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران، كما اعترف بوجود عملاء لـ "فيلق القدس" في لبنان. وبين العامين 2000 و2006، ساهمت إيران بما يعادل 100 مليون دولار سنوياً إلى "حزب الله". ومقاتلو الحزب أفضل وكلاء لإيران، فخلافاً لهم يتحدثون العربية ما يجعلهم أفضل للعمل في سوريا وغيرها من دول العالم العربي. وخلال عملهم مع الإيرانيين، إما نفّذوا عمليات أو خططوا لتنفيذها في قبرص، أذربيجان وتركيا.
ولا يعمل عناصر "حزب الله" و"فيلق القدس" سوية. فبعدما هاجم أحد عناصر الحزب باصاً للرحلات السياحية مليئاً بالسياح الإسرائيليين في بلغاريا في تموز الماضي، علمت السلطات الأميركية أن سليماني سأل مرؤوسيه "هل كان أحدكم يعلم بهذه العملية؟". لم يكن أحد على علم. وقال مسؤول دفاعي أميركي "تصرّف حزب الله بمفرده في هذه العملية". لكن مع ذلك، يبدو أن "فيلق القدس" تورط في عدد من أهم اللحظات بتاريخ لبنان الحديث. في العام 2006، أمر نصرالله مجموعة من مقاتليه بخطف جنود إسرائيليين ـ العملية التي قال مسؤول أمني شرق أوسطي أنه تم تنفيذها من دون مساعدة سليماني. نتج عن ذلك حرب قصيرة لكن شرسة، قامت خلالها القوات الإسرائيلية بتدمير معظم لبنان. وقال المسؤول "لا أعتقد أن سليماني توقع ردة الفعل هذه".
وعادت قصة النفوذ الإيراني في لبنان للظهور في العام 2011 عندما وجهت المحكمة الخاصة بلبنان إلى أربعة من كبار المسؤولين في "حزب الله" تهمة اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري في العام 2005. والحريري، المنتمي إلى الطائفة السنية، كان يحاول سحب لبنان إلى خارج الفلك الإيراني ـ السوري. وفي يوم "عيد العشاق" قتل بهجوم انتحاري بواسطة شاحنة ملغومة تزن أكثر من 2500 كيلوغرام من المواد المتفجرة.
وتمكّن المحققون من تحديد هوية عناصر "حزب الله" المزعومين من خلال تقنية "تحليل المكان" حيث قارنوا الاتصالات التي أجريت بواسطة هواتف خليوية مع هواتف أخرى مملوكة من المتهمين. وامتنع المحققون عن اتهام مسؤولين سوريين، لكنهم قالوا، إن لديهم أدلة مقنعة تشير إلى تورّط حكومة الأسد في اغتيال الحريري. وقال محقق كبير في المحكمة الخاصة بلبنان إن هناك أسباباً ايضاً تدعو للاشتباه بالإيرانيين. وقال "نظريتنا هي أن حزب الله ضغط على الزناد، لكنه لم يكن ليفعل لولا مباركة من إيران والدعم اللوجستي منها ومن سوريا". وأجريت من أحد أجهزة الهاتف المزعومة ما لا يقل عن عشرة اتصالات إلى إيران قبل الاغتيال وبعده. غير أن المحققين قالوا إنهم لا يعرفون الجهة التي تم الاتصال بها في إيران، وأنهم لم يتمكنوا من إقناع أجهزة الاستخبارات الغربية بمساعدتهم. وقال المسؤول الاستخباري الرفيع إنه تم رصد حديث بين عملاء إيران قبل دقائق من الاغتيال "لقد كان الإيرانيون يوجهون العملية عبر الهاتف". وقال روبرت باير، مسؤول سابق رفيع في السي آي أيه "إذا كانت إيران متورطة بالفعل، فسليماني كان من دون شك في قلب هذا التورط".
وفي هذه الأثناء، اختفى المتهمون من "حزب الله". ورصد الثوار السوريون أحد المشتبه بهم، مصطفى بدر الدين ـ صهر عماد مغنية وصانع قنابل مخضرم في "حزب الله" ـ في سوريا، ويقولون إنه يقاتل إلى جانب نظام الأسد.
وفي 22 كانون الأول 2010، أصدر جيمس جيفري، السفير الأميركي في العراق، والجنرال لويد أوستن، قائد القوات الأميركية هناك، بيان تهنئة إلى الشعب العراقي بمناسبة تشكيل حكومة جديدة برئاسة نوري المالكي. كان قد مضى على البلاد تسعة أشهر من دون حكومة، بعد أن انتهت الانتخابات التشريعية من دون فوز حاسم لأي من الفرقاء. وتشكيل الحكومة كان حاسماً: أثناء الانتخابات كان لا يزال هناك ما يقارب 100 ألف جندي أميركي في البلاد، فيما كان القادة العسكريون الأميركيون لا يزالون يأملون بإبقاء قوة بسيطة بعد مغادرتهم. وقال المسؤولان الأميركيان "نتطلع إلى العمل مع الحكومة الائتلافية الجديدة في تعزيز رؤيتنا المشتركة لعراق ديموقراطي".
وما لم يقله جيفري وأوستن هو أن الاتفاق الذي عقد لتشكيل الحكومة لم يكن من صنعهما بل من صنع سليماني. خلال الأشهر السابقة، واستناداً للعديد من المسؤولين العراقيين والغربيين، دعا سليماني قادة شيعة وأكراداً للقائه في طهران وقم، وانتزع منهم وعداً بدعم المالكي، مرشحه المفضل. وكان العرض يحمل جملة من العقد التحريضية. المالكي والأسد يكرهان بعضهما؛ لقد جمعهما سليماني من خلال الموافقة على بناء خط نقل للنفط من العراق إلى الحدود السورية. ومن أجل اجتذاب مقتدى الصدر إلى الاتفاق، وافق سليماني على توظيف رجال الصدر في وزارات الخدمات العراقية.
واستناداً للمسؤولين العراقيين والغربيين، فإن اللافت كان الشرطان اللذان فرضهما سليماني على العراقيين. الأول هو أن يصبح جلال طالباني، الصديق القديم للنظام الإيراني، رئيساً للعراق. والثاني، هو أن يصر المالكي وشركائه في الائتلاف الحكومي على انسحاب كامل القوات الأميركية من العراق. وقال الزعيم العراقي السابق "قال سليماني: لا للأميركيين. لقد ذهبت هباء علاقة عمرها عشر سنوات".
وقال المسؤولون العراقيون إن في وقت إعلان جيفري، علم الأميركيون أن سليماني كان قد طردهم من البلاد لكنهم كانوا محرجين جداً للاعتراف بذلك علناً. وقال المسؤول العراقي الرفيع السابق "كنا نضحك على الأميركيين. تباً. تباً. لقد تفوّق عليهم سليماني بالكامل، وكانوا يهنئون بعضهم علناً لتمكنهم من تشكيل الحكومة".
وكان الاتفاق ضربة قوية بوجه أياد علاوي، السياسي العراقي العلماني المؤيد للأميركيين، والذي تمكن حزبه من الفوز بأكبر عدد من المقاعد البرلمانية في الانتخابات التشريعية الأخيرة، لكنه فشل في تشكيل ائتلاف حكومي. وفي مقابلة في الأردن، قال علاوي إنه كان بإمكانه بمساعدة الأميركيين تشكيل حكومة ائتلافية، لكن عوضاً عن ذلك، تخلى عنه الأميركيون لصالح المالكي. وقال إن نائب الرئيس الأميركي جو بايدن اتصل به ليبلغه ضرورة أن يتخلّى عن ترشحه لرئاسة الحكومة قائلاً "لن تستطيع تشكيل حكومة".
وقال علاوي إنه يشتبه أن الأميركيين لم يكونوا راغبين في مواجهة المشاكل التي كان سيثيرها الإيرانيون لو أنه شكّل حكومة، مشيراً إلى أنهم كانوا يريدون البقاء في العراق، لكن فقط في حال كانت المهمة التي سينفذّونها هي في الحد الأدنى من التدخل. وقال "كنت أحتاج للدعم الأميركي. لكنهم كانوا يريدون المغادرة، وسلّموا البلد للإيرانيين. أصبح العراق دولة فاشلة اليوم، مستعمرة إيرانية".
واستناداً لمسؤولين عراقيين وأميركيين سابقين، فإن سليماني يمارس نفوذه على السياسة العراقية من خلال دفع رشاوى للمسؤولين، دعم الصحف ومحطات التلفزة، وفي حال الضرورة من خلال الترهيب. وقليلة هي الجهات المحصّنة ضد نفوذه. وقال المسؤول العراقي الرفيع السابق "أرغب في أن أتعرف إلى حزب سياسي شيعي واحد لا يأخذ مالاً من سليماني. إنه أقوى رجل في العراق من دون أدنى شك".
وحتى المالكي يبدو أسيراً لدى الإيرانيين. فبعد أن نفاه صدام، عاش المالكي لفترة قصيرة في إيران، لكنه انتقل إلى سوريا واستناداً لمسؤولين عراقيين يعرفونه، للهروب من النفوذ الإيراني. وقال كروكر إن المالكي أبلغه مرة "لا يمكنك أن تعرف ما هي الغطرسة إلا إذا كنت عربياً عراقياً أجبرت على اللجوء إلى الإيرانيين". والسياسي العراقي الذي هو قريب من المالكي وسليماني قال إن المالكي يكره قائد "فيلق القدس" وأن الشعور متبادل. أضاف "المالكي يقول إن سليماني لا يستمع، فيما سليماني يقول إن المالكي يكذب ببساطة".
ومع ذلك، ربما يرد المالكي ما عليه إلى سليماني الذي ساهمت جهوده في جعله رئيساً للحكومة. واستناداً للمسؤول الاستخباري السابق، فإن حكومة المالكي تشرف على مجموعة من البرامج تبلغ قيمتها مئات ملايين الدولارات سنوياً لمساعدة النظام الإيراني على تفادي العقوبات الاقتصادية الأميركية. وقال رجل أعمال عراقي مشهور إن عملاء إيران يستخدمون عادة المصارف العراقية من أجل القيام بعمليات مالية احتيالية، تسمح لهم ببيع النقد العراقي بأرباح خيالية. وقال "إذا رفضت المصارف، يصار إلى إغلاقها من قبل الحكومة".
والمصدر الآخر الرئيسي للواردات بالنسبة للإيرانيين هو النفط. ويقول مسؤولون عراقيون "تضع حكومة المالكي جانباً ما يعادل 200 ألف برميل من النفط يومياً ـ قيمتها حوالى 20 مليون دولار حسب سعر السوق الحالي ـ وترسل الأموال إلى سليماني. بهذه الطريقة، حصّن "فيلق القدس" نفسه ضد ضغوط العقوبات الاقتصادية الغربية. وقال المسؤول الاستخباري السابق "إنه برنامج تمويل سري ذاتي. لا يحتاج سليماني حتى إلى الميزانية الإيرانية لتمويل عملياته".
وفي كانون الأول الماضي، وعندما بدا نظام الرئيس الأسد قريباً من الانهيار، رصد مسؤولون أميركيون تقنيين سوريين وهم يستعدون لتحميل قنابل تحمل غاز الأعصاب المعروف باسم "السارين" على متن طائرات حربية. وبدا من جميع المؤشرات أنه كان يتم التحضير لهجوم كيميائي. وأصيب الأميركيون بالرعب واتصلوا بالقادة الروس الذين اتصلوا بنظرائهم في طهران. واستناداً لمسؤول الدفاع الأميركي، فإن دور سليماني بدا محورياً في إقناع الأسد بعدم استخدام هذه الأسلحة.
وشعور سليماني الأخلاقي حول الأسلحة الكيميائية غير معروف. وخلال الحرب الإيرانية ـ العراقية، عانى آلاف الجنود الإيرانيين من آثار الهجمات الكيميائية، ولا يزال الناجون يتحدثون علناً عن هذه المأساة. غير أن بعض المسؤولين الأميركيين يعتقدون أن جهوده لمنع الأسد من استخدام هذه الأسلحة كانت انطلاقاً من إلهام أكثر واقعية: الخوف من استثارة التدخل العسكري الأميركي. وقال المسؤول العسكري الأميركي السابق "قال الإيرانيون والروس للأسد لا نستطيع دعمك في محكمة الرأي العام العالمي إذا استخدمت هذه الأسلحة".
ويعتقد أن النظام السوري استخدم مثل هذه الأسلحة 14 مرة خلال العام الأخير. لكن حتى بعد الهجوم المروع بواسطة غاز "السارين" في 21 آب الماضي الذي أدى إلى مقتل 1400 شخص، فإن دعم سليماني للأسد لم يتراجع. ولإنقاذ الأسد، وضع كل الموارد التي طوّرها منذ توليه قيادة "فيلق القدس": مقاتلي "حزب الله"، ميليشيات شيعية من جميع أنحاء العالم العربي، وكل الأموال والمواد التي تمكن من الحصول عليها من حكومة بلاده المحاصرة. وفي بغداد، قال شاب شيعي يدعى أبو حسن إنه تم تجنيده للقتال بواسطة مجموعة من العراقيين. واستقل باصاً إلى مدينة مشهد الإيرانية، حيث تلقّى إلى جانب مجموعة من 30 عراقياً آخرين تعليمات من مدربين إيرانيين. وسافر الرجال إلى مقام "السيدة زينب" بالقرب من دمشق حيث قاتلوا إلى جانب قوات الأسد لمدة ثلاثة أشهر، إلى جانب مقاتلين من "حزب الله" وقناصة من إيران. وقال أبو حسن "لقد فقدنا أشخاصاً كثيرين".
وأعظم إنجازات سليماني قد يكون إقناعه عملاءه في الحكومة العراقية بالسماح لإيران باستخدام المجال الجوي العراقي لنقل الرجال والذخائر إلى دمشق. وقال الجنرال جيمس ماتيس الذي ظل حتى آذار الماضي قائداً للقوات الأميركية في الشرق الأوسط إنه من دون هذه المساعدة، كان نظام الأسد انهار قبل أشهر كثيرة. ويشرف على الرحلات الجوية العراقية وزير المواصلات العراقي هادي العمري، الحليف القديم لسليماني ـ والرئيس السابق لـ "فصائل بدر" ومقاتل سابق في الجانب الإيراني من الحرب الإيرانية ـ العراقية. وفي مقابلة في بغداد، نفى العمري، أن يكون الإيرانيون يستخدمون المجال الجوي العراقي لإرسال أسلحة. لكنه لم يخف إطلاقاً تعاطفه مع رئيسه السابق، سليماني. وقال "أحب قاسم سليماني. إنه صديقي العزيز".
ولغاية الآن، تمكن المالكي من مواجهة الضغوط لتزويد الأسد بما يحتاج إليه عن طريق البر عبر العراق. لكنه لم يوقف الرحلات الجوية؛ لقد تفوقّت مخاوفه من وصول نظام سني متطرّف في سوريا على تحفظاته من الانخراط في حرب أهلية. وقال كروكر "المالكي لا يحب الإيرانيين، ويكره الأسد، لكنه يكره النصرة أكثر. لا يريد أن تكون الحكومة في دمشق تابعة لتنظيم القاعدة".
وهذا النوع من المناخ المذهبي قد يكون التأثير الأكثر وضوحاً لسليماني في الشرق الأوسط. ولحماية إمبراطوريته الإيرانية في سوريا ولبنان، ساعد على تأجيج الصراع السني ـ الشيعي الذي يهدد باجتياح المنطقة بكاملها لسنوات طويلة ـ حرب يبدو أنه سعيد بإثارتها. وقال ماتيس "لديه كل الأسباب للاعتقاد بأن إيران هي القوة التي يسطع نجمها في المنطقة. لم نوجّه له يوماً ضربة موجعة".
وفي حزيران، انتخب رئيس معتدل في إيران، حسن روحاني، الذي وعد بإنهاء العقوبات التي أرهقت بلاده ودمّرت الطبقة الوسطى فيها. ولاحت في جميع أنحاء العالم الغربي آمال بأن يسمح خامنئي لروحاني بالوصول إلى صفقة. وعلى الرغم من أن روحاني معتدل ـ وفقاً للمعايير الإيرانية فقط ـ فإنه رجل دين شيعي وملتزم منذ فترة طويلة بمبادئ الثورة الإسلامية ـ قدّمت إدارته سلسلة من إشارات حسن النية، بما فيها إطلاق سراح 11 سجيناً سياسياً وتبادل رسائل مع الرئيس باراك أوباما. ويحل روحاني ضيفاً على نيويورك في الأسبوع الحالي ليلقي كلمة أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ولاحتمال عقد لقاء مع أوباما. وستتركز المحادثات بالتأكيد على إمكانية كبح جماح إيران عن برنامجها النووي، مقابل تخفيف العقوبات.
ويأمل العديدون في الغرب أن تساعد إيران أيضاً على وضع نهاية للحرب الطاحنة في سوريا. وعرض نائب الأسد مؤخراً احتمال وقف إطلاق نار قائلاً "ليس من داع ليكون لدى أحد مخاوف من أن النظام على شكله الحالي سيستمر". لكنه لم يقل ما إذا كان الأسد سيتنحّى، وهو ما قال الثوار إنه شرط رئيسي للمفاوضات. لقد صدرت تلميحات من الإيرانيين الأقوياء بأن الأسد لا يستحق التمسّك به. في خطاب حديث، قال الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني "لقد تعرّض الشعب لهجمات كيميائية من قبل حكومتهم". (وعقب تسريب الخبر الذي أثار هيجاناً في الشراع الإيراني، تراجع رفسنجاني عنه). غير أن نظاماً غير متعاطف مع إيران في سوريا، سيقسم "محور المقاومة" ويعقّد جذرياً شراكة إيران مع "حزب الله". وفي جميع الأحوال، فإن النظام الإيراني منقسم لدرجة أنه من الصعب التوصل إلى إجماع حول هذه المسألة. وقال كيفان هاريس، عالم الاجتماع في جامعة برينستون والذي أجرى دراسة مكثّفة حول إيران "في أي مرة تصدر فيها بيانات عن الحكومة الإيرانية، تذكروا فقط أنه يوجد عش فئران يعمل من تحت الطاولة". وفيما يحاول روحاني جذب الغرب، عليه أن يكافح ضد المتشدّدين، بمن فيهم سليماني ورفاقه، الذين حدّدوا لأكثر من عقد من الزمن سياستهم الخارجية بناء على حرب سرية ضد أميركا وإسرائيل. وقال هاريس "لا يثقون بالجانب الآخر. يشعرون أن أي تنازل يقدمونه، سيعتبره الغرب على أنه إشارة ضعف".
وبالنسبة لسليماني، التخلّي عن الأسد يعني التخلّي عن مشروع التوسّع الذي شغله طيلة 15 عاماً. وفي خطاب أمام مجلس الخبراء ـ رجال الدين الذين يختارون القائد الأعلى ـ تحدّث عن سوريا بلهجة حادة ومصمّمة. قال سليماني "دعونا لا نبالي بالحملة الدعائية التي يشنّها العدو، لأن سوريا هي الخط الأمامي للمقاومة، وهذه الحقيقة لا يمكن نكرانها. علينا واجب الدفاع عن المسلمين، لأنهم تحت الضغط والاضطهاد". كان سليماني يخوض الحرب نفسها ضد الأعداء أنفسهم الذين كان يقاتلهم طيلة حياته؛ وبالنسبة له، فالتسويات التي يقوم بها رجال الدولة، لا يمكن مقارنتها مع جنة أرض المعركة. اضاف "سوف ندعم سوريا حتى النهاية"
أخبار ذات صلة
السيد مرعي أبو مرعي ليضع إصبعه على الجرح الحقيقي، محذراً من أن المشكلة
2026-06-24 05:14 م 20
رئيس الحكومة نواف سلام: أنا لا أطلب من الحـزب سوى الوفاء بالتزاماته
2026-06-24 02:30 م 107
انطلاق الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية
2026-06-24 04:24 ص 41
مصدر أميركي: خلاف لبناني إسرائيلي حول آلية بدء الانسحاب
2026-06-24 04:22 ص 89
النائب البزري تابع انقطاع شبكة الإنترنت عن صيدا وأجرى اتصالات مع أوجيرو
2026-06-23 04:26 م 127
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
رغم الخلافات... شهادة في حق ترامب
2026-06-23 06:36 م
اجتماع المجلس البلدي في صيدا: ما الذي تغيّر؟
2026-06-18 05:10 ص
زيارة هلال حبلي لمحمد السعودي... قراءة في واقع صيدا وتحديات المرحلة
2026-06-10 06:03 م
لقاء بلدية صيدا: لاول مره ينجح اللقاء السياسي في القرارت والعبرة في التنفيذ
2026-06-10 05:05 ص
رسالة إلى جمهور الثنائي الشيعي ال يتظاهرون في لبنان
2026-06-09 04:59 ص
جوزاف عون انت بطل و لبنان يلتقط أنفاسه بعد إعلان الهدنة
2026-06-04 10:05 ص
هل تشهد صيدا مظاهر عاشورائية في مراكز الإيواء أم تبقى ضمن الحسينيات؟

