الفقـر دافع للجريمة
التصنيف: سياسة
2013-10-02 03:18 م 569
الشيخ أحمد محي الدين نصار؛ مفتي صيدا وأقضيتها 1\10\2013
الفقر وصف يعجز فيه الفرد عن إشباع حاجاته الضرورية التي تحفظ له كرامته الإنسانية. وكلمة "الفقر" لها وقع سلبي في النفس الإنسانية مرتبط بواقع الحياة المرّ الذي ينجم عنه. ومن أمرّ ثمار الفقر ما قد يؤدي إليه من انحراف السلوك ومقارفة الجرائم التي تؤرّق أمن المجتمع. فالفقر من أخطر الآفات على الهوية العقدية للإنسان، لذلك استعاذ النبي r من الكفر والفقر قارناً بينهما، حيث قال (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر). فكم من فقير استسلم بقلبه وقالبه لمن لبى له متطلبات حياته من غذاء وكساء ودواء وإيواء .. إلخ، وكم من فقير كانت له نقمة على مجتمعه وأمته حين جاور بحالته الثراء الفاحش، أو كان هذا الفقير هو الساعي الكادح، وذلك الغني هو المترف المتبطل القاعد، كالحال المشاهد في مجتمعنا اللبناني، التي ولّدت السخط على كل شيء، والشك في كلّ تنظيم للحياة، والارتياب من عدالة كل نظام. وإذا لم يؤد به الأمر إلى مثل هذا الضلال، ففي الغالب يستسلم الفقير لليأس والقعود والبطالة وعدم السعي.
إن الانحراف العقدي بمثابة ضعف الجهاز المناعي النفسي الذي يحمي الإنسان من الجريمة، وقد قال الحكماء: "إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر خذني معك". وقد أشار النبي r إلى ذلك في حديثه عن رجل أراد أن يتصدّق فوضع صدقته في يد فقيرة فاتضح أنّها تمتهن الزنا، فعيّر بذلك وظنّ أن صدقته لم تقبل، فأعاد الأمر فوقعت صدقته في يد غني، فعيّر بذلك فظنّ أن صدقته لم تقبل، فأعاد الأمر فوقعت صدقته في يد سارق، فعيّر بذلك فظنّ أن صدقته لم تقبل، فقال النبي r: (.. فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، أما الزانية فلعلها تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق يستعف بها عن سرقته)، فدلّ الحديث؛ على خطورة الفقر على السلوك، فالفقير المحروم كثيراً ما يدفعه بؤسه وحرمانه وغريزة حب البقاء إلى البحث عن إشباع حاجته الأساسية أو لرفع مستوى أسرته بطرق غير مشروعة، وبسلوك تأباه وتنكره قواعد الأخلاق الفاضلة وأسس السلوك القويم الذي قد يندرج في إطار الجريمة. كما دلّ الحديث على أثر الغنى في استعفاف الرجل عن السرقة، واستعفاف المرأة عن الفاحشة، أي أن الغنى له أثر لا ينكر في ردع الجريمة، كما أن الفقر له أثر لا ينكر في انتشار الجريمة بكافة أشكالها بُغية الحصول على المال.
والفقر من أكبر الموانع التي تحول بين الشباب وبين الزواج، مما قد يدفع بغير المتدين منهم إلى اقتراف جريمة الزنا، أو غيرها من الجرائم للاستحصال على مال حرام يصلوا به إلى الزواج الحلال!. وقد يؤدي الفقر في كثير من الأسر إلى تغيّب الوالدين الطويل عن المنزل بسبب العمل لتدبير أسباب الحياة لأسرتهما، مما يسبب لهما بعد عودتهما إلى المنزل التوتر والإجهاد، فلا تتاح لهما بذلك الفرصة لمراقبة الأبناء وتوجيههم الوجهة السليمة، مما قد يكون مدعاة لانحرافهم أو تشردهم.
وقد يؤدي الفقر إلى إحجام كثير من أفراد الأسرة عن الدراسة بغية ممارسة حرفة للمشاركة في الأعباء المعيشية التي تثقل كاهل الأسرة. وعندما يحجم الفرد عن التعلّم يهبط لديه المستوى الديني والخلقي والثقافي، وبالتالي لا يجد حرجاً من قرع أبواب الجريمة، والتوسل بالعنف الذي قد يصل إلى القتل لحسم مشاكله، خاصة إذا استقطبه أهل السوء من الحرفيين الذين تنمو بينهم كثير من الأنماط الإجرامية، وما أكثرهم!.
وقد يضطر الفقير وأسرته إلى السكن في أحياء نائية ومزدحمة بالسكان وخارجة عن إطار السلوك المدني والأمني والفكري والاجتماعي، حيث يرتبط الفرد حتما ببيئة الإجرامية مبتعداً عن السلوك السوي. وقد يؤدي الفقر إلى أن تسلك الزوجة أو الأم طريق الحرام، وكم سمعنا عن ديوث لا يبالي بهتك عرض امرأته مقابل حفنة من المال، هذا فضلاً عن التسول والتشرد ..، وما إلى ذلك من أمور قد يضطر إليها أفراد الأسرة الفقيرة، وبذلك تفقد الأسرة دورها التربوي، وتتحول إلى علّة في الجسد وعالة على المجتمع. وقد يؤدي ضغط الفقر للتفريق بين الرجل وزوجه على كره منه أو منها، لإعسار وعجز عن النفقة ودرء لمفاسد أخطر ممكنة الوقوع، والفقر كثيراً ما يكدّر صفو الأسرة، وينغص عيشها، بل قد يؤدي إلى تمزيق أواصر المحبّة بين أفرادها، ويكفي ما سجله القرآن من أن بعض الآباء قتلوا أبناءهم من أجل فقر واقع أو متوقع كما قال سبحانه: )ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم(، وقال تعالى: )ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقكم وإياهم(.
قد يصبر المرء على الفقر إذا كان ناشئاً عن قلّة الموارد وكثرة الناس، أما إذا نشأ عن سوء إدارة الدولة، وبغي الناس بعضهم على بعض، وترف أقلية في المجتمع على حساب الأكثرية، فهذا هو الفقر الذي يثير النفوس ويحدث الفتن والاضطراب، ويقوّض أركان المحبّة والإخاء بين الناس، وينذر بسقوط المجتمع كله، إذ إنّ المبادئ الهدّامة تتخذ أوكارها بين ضحايا الفقر والحرمان والضياع. فالفقر خطر على سيادة الأمّة وحريتها واستقلالها، وما ذلت أمة يوما بأقسى من ذلّ لقمة العيش، فالبائس المحتاج لا يجد في صدره حماسة للدفاع عن وطنه، والذود عن حرمات أمته، فإنّ وطنه لم يطعمه من جوع، ولم يؤمنه من خوف، وأمته لم تمد يد العون إليه لتنقذه من وطأة الشقاء والحرمان. فلا عجب أن يستعيذ النبي r من فتنة الفقر فيقول: (اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار، وفتنة القبر وعذاب القبر، وشر فتنة الغنى وشر فتنة الفقر ...). ولا عجب أن يدعو r ربه قائلاً: (.. اقض عنا الدين وأغننا من الفقر).
لقد حذر النبي r من خطورة الفقر ليحث أهل المسؤولية على مكافحته، ومع ذلك فليس الفقر دافعاً للإجرام على الدوام، بل قد يكون دافعاً للفرد لتحسين حاله، وباعثاً له على التمسك بالفضائل، لأنّه مؤمن بقضاء الله تعالى وقدره، وأنّ له الأجر والمثوبة يوم القيامة إذا صبر واحتسب، وفي ذلك يقول النبي r: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء ..)، إلا أن الواقع يؤكد أن وطأة الفقر المدقع شديدة على النفوس، وعندما تجوع البطون تضعف العزائم والعقول وتصبح سهلة الانقياد، فهل من متنبه؟؟.ا.هـ.
أخبار ذات صلة
إدارة المعمل تحت المجهر... وأبو مرعي كان أول من دق ناقوس الخطر
2026-06-24 05:14 م 107
رئيس الحكومة نواف سلام: أنا لا أطلب من الحـزب سوى الوفاء بالتزاماته
2026-06-24 02:30 م 114
انطلاق الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية
2026-06-24 04:24 ص 43
مصدر أميركي: خلاف لبناني إسرائيلي حول آلية بدء الانسحاب
2026-06-24 04:22 ص 89
النائب البزري تابع انقطاع شبكة الإنترنت عن صيدا وأجرى اتصالات مع أوجيرو
2026-06-23 04:26 م 127
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
رغم الخلافات... شهادة في حق ترامب
2026-06-23 06:36 م
اجتماع المجلس البلدي في صيدا: ما الذي تغيّر؟
2026-06-18 05:10 ص
زيارة هلال حبلي لمحمد السعودي... قراءة في واقع صيدا وتحديات المرحلة
2026-06-10 06:03 م
لقاء بلدية صيدا: لاول مره ينجح اللقاء السياسي في القرارت والعبرة في التنفيذ
2026-06-10 05:05 ص
رسالة إلى جمهور الثنائي الشيعي ال يتظاهرون في لبنان
2026-06-09 04:59 ص
جوزاف عون انت بطل و لبنان يلتقط أنفاسه بعد إعلان الهدنة
2026-06-04 10:05 ص
هل تشهد صيدا مظاهر عاشورائية في مراكز الإيواء أم تبقى ضمن الحسينيات؟

